عمر فروخ

310

تاريخ الأدب العربي

الإمام علي خطبته التالية : أمّا بعد ، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه اللّه لخاصّة أوليائه . وهو لباس التقوى ودرع اللّه الحصينة وجنّته الوثيقة ؛ فمن تركه رغبة عنه ألبسه اللّه ثوب الذل وشمله البلاء « 1 » ، وسيم الخسف ومنع النّصف « 2 » . إلا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم « 3 » ليلا ونهارا ، وسرا واعلانا وقلت لكم : « اغزوهم قبل أن يغزوكم » . فو اللّه ، ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلّوا . فتواكلتم وتخاذلتم حتى شنّت الغارات عليكم وملكت عليكم الأوطان . وهذا أخو غامد وقد وردت خيله الأنبار ، وقد قتل حسان بن حسان البكريّ ، وأزال خيلكم عن مسالحها « 4 » . فيا عجبا : واللّه ، يميت القلب ويجلب الهمّ اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم . فقبحا لكم وترحا « 5 » حين صرتم غرضا يرمى « 6 » : يغار عليكم ولا تغيرون ، وتغزون ولا تغزون ، ويعصى اللّه وترضون . فإذا أمرتكم بالسير إليهم في الصيف قلتم هذه حمارّة القيظ ، أمهلنا حتّى يسبخ عنا الحر « 7 » . وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم هذه صبارّة القرّ « 8 » ، أمهلنا حتى ينسلخ عنا البرد . كل هذا فرارا من الحر والقرّ . فأنتم ، واللّه ، من السّيف أفرّ . يا أشباه الرجال ولا رجال . حلوم الأطفال ، وعقول ربّات الحجال « 9 » . لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم . معرفة ، واللّه ، جرّت ندما ، وأعقبت سدما « 10 » . قاتلكم اللّه ، لقد شحنتم صدري غيظا ، وأفسدتم عليّ رأيي

--> ( 1 ) الجنة ( بضم الجيم ) : الوقاية ، الستر . شمله البلاء : عمته المصائب . ( 2 ) النصف : الانصاف . الخسف : الذل . ( 3 ) أهل الشام أتباع معاوية . ( 4 ) أخو غامد : سفيان بن عوف أرسله معاوية لشن الغارات على أطراف العراق . ( 5 ) الترح : الحزن . الغرض : الهدف ، أي تصيبكم المصائب . ( 6 ) هدفا للهجمات والاعتداء . ( 7 ) حمارة القيظ : أشده . يسبخ : يخف . ( 8 ) صبارة القر : شدة البرد . الأصل في القر أن تكون مضمومة ولكنها فتحت هنا اتباعا للفظة الحر . ( 9 ) حلوم : عقول . ربات الحجال : النساء . ( 10 ) السدم : الأسف .