عمر فروخ

29

تاريخ الأدب العربي

وتأتي المختارات من آثار الأديب في القسم الثالث . ولقد اتّخذت في الاختيار ثلاثة أسس : جودة المختار وتمثيله لآثار الأديب المتنوّعة ثم شهرة ذلك المختار . ومع أن المألوف أن نولي المكثرين في الإنتاج عناية كبيرة ، فانّني أفردت ترجمات مستقلّة لأدباء وشعراء مقلّين جدّا لأنّ في آثارهم القليلة الباقية لمحات ليست عند المكثرين . وهكذا سيجد القارئ في هذا الكتاب تراجم لشعراء لم تتعرّض لهم الكتب الموضوعة حديثا . وفي آثار الأدباء والشعراء ذخائر لا يلقي القارئ لها بالا في العادة لأن العناية بطبعها مفقودة . من أجل ذلك حرصت على أن تكون جميع المختارات مشكولة شكلا قريبا من الكمال ومنقوطة ( حتّى يعرف القارئ فيها مواضع الوصل والفصل ) : فلعلّ فاصلة صغيرة ( ، ) أو علامة استفهام ( ؟ ) تكشف معنى عاش في الطبعات القديمة غامضا على القارئ العاديّ ؛ فأحببت أن أجلو عن تلك الآثار أسباب الغموض . بعدئذ شرحت معظم هذه المختارات شرحا وافيا ، حيث الحاجة إلى الشرح الوافي ضرورة لا بدّ منها . والشرح الوافي معناه الشرح اللغوي متلوّا بالشرح الأدبي ( في تبيان أوجه البلاغة ) . ان الشرح اللغوي وحده لا يبدي أحيانا شيئا من غرض الشاعر مثلا ، فيجب أن نعلم ما قصد الشاعر في نفسه قبل أن ينظم بيت الشعر ، حيث لا يفيدنا معنى كلمات ذلك البيت من الشعر إذا نحن اكتفينا بنقل معاني ألفاظ البيت من القاموس . والقاموس العربي ليس فيه كلّ المعاني ، فلعلّ شاعرا قديما أو بدويّا عرف لفظا لم يقع لجامع القاموس أو غاب عن جامع القاموس . ثم يتّفق أن يستعمل الشاعر لفظا في غير المعنى المألوف ، صوابا أو خطأ ، فلا بدّ من أن نعرف ذلك كلّه قبل أن نفهم بيت الشعر على الوجه الذي قصده قائله . وربّما قال الشاعر قصيدة أو ألقى الخطيب خطبة في حال مخصوصة ، فالألفاظ والجمل التي تأتي منثالة في تلك الحال قد يأتي معناها مختلفا في قصيدة شاعر منها في قصيدة شاعر آخر . فإذا نحن لم نفطن لذلك ضاعت