عمر فروخ
258
تاريخ الأدب العربي
طريقه إلى قلوب المسلمين إلّا في العصر العباسيّ « 1 » . وقد كانت حجّتهم أن الشعر العربي الأوّل كان خاليا من الصور الاسلامية المختلفة . وبالرجوع إلى الشعر العربي يتبيّن أن حجّة المستشرقين لم تكن تستند إلى أساس ، فان الألفاظ الاسلامية والمدارك الاسلامية وجدت طريقها إلى الشعر العربي منذ الهجرة على الأقلّ . وهذا لا يعني أن المسلمين الذين أسلموا قبل الهجرة ثم اتّفق لهم أن قالوا شعرا لم يظهر أثر الاسلام في شعرهم ، ولكنّ المسلمين قبل الهجرة كانوا قلّة ولم يكن ثمّت مناسبات تقتضي قول الشعر كالتي كانت بعد الهجرة . ان ديوان حسّان بن ثابت - وقد كان حسّان قد دخل في الاسلام وأصبح شاعرا للرسول منذ أيام الهجرة الأولى - مملوء بالألفاظ والاغراض الاسلامية . ثم إن الاسلام بعد أن أصبح ، بالهجرة من مكّة إلى المدينة ، « دولة » ترهب المشركين العرب ، ثار الشعراء من المشركين كعبد اللّه بن الزّبعرى وكعب بن زهير وأبي سفيان بن الحارث إلى هجاء الرسول وإلى التعرّض للاسلام . ولقد انبرى الشعراء من المسلمين الأوّلين كحسّان بن ثابت وعبد اللّه بن رواحة وكعب بن مالك إلى الردّ على الشعراء المشركين وإلى نصرة الاسلام . فمنذ السنة الأولى للهجرة نجد أن الشعراء قد أخذوا يستعملون في أشعارهم أسماء اللّه الحسنى من تلك التي كانت معروفة في الجاهلية ، نحو : اللّه ، اللهمّ ، رب ، الرحمن الخ استعمالا اسلاميا . ومنذ العام الثاني للهجرة أخذ الشعراء يوردون في أشعارهم أسماء للّه لم تعرف قبل نزول القرآن ، نحو : رؤوف ، ذي العرش ، الواهب ، الرزاق ، العزيز ، الغفور ، الوهّاب ، مولى المؤمنين ، الواحد ، الصّمد ، عالم الغيب ، ذي الجلال . ففي السنة الثالثة للهجرة مثلا قال حسّان بن ثابث : محمّد ، والعزيز اللّه يخبره * بما تكنّ سريرات الأقاويل . وكذلك استعمل حسّان بن ثابت كلمة « رسول » بمعنييها : معناها اللغويّ القديم ومعناها الاسلامي الجديد في بيتين متواليين لمّا قال :
--> ( 1 ) للتوسع في هذا الموضوع راجع Das Bild des Fruehislam ( انظر قائمة المصادر والمراجع ، ص 252 ) .