عمر فروخ
256
تاريخ الأدب العربي
وأما ازدهار الخطابة فكان لحاجة الاسلام إلى الخطابة ، في سبيل « الدعوة إلى الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . . . وتحميس الجند » . ثمّ حدثت حاجة الخلفاء والأمراء ( في الجيش ) والولاة إليها لإعلان سياسة الدولة وتبليغ أوامرها . فكان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والخلفاء الراشدون وأمراء الجيوش وولاة الأمصار والقضاة من الخطباء ضرورة . غير أن بعضهم كان أخطب من بعض ، فعلي بن أبي طالب كان خطيبا موهوبا فوق عثمان بن عفّان وعمر بن الخطاب ، ولا غرو فكلام علي يأتي في مراتب البلاغة بعد القرآن والحديث . واختلفت أغراض الخطابة ومعانيها في الاسلام منها في الجاهلية ، كما اتفق في الشعر . ولكن أسلوبها ظل - كما ظل أسلوب الشعر أيضا - جاهليا : قصرا في الخطب وايجازا في الجمل مع شيء كثير من الموازنة وشيء قليل من السجع . يضاف إلى ذلك اقتباس أو تضمين للأمثال والاشعار . وزاد الخطباء في الاسلام الاستشهاد بآيات من القرآن الكريم وبأحاديث لرسول اللّه . وكانت غاية الخطابة التأثير البلاغي من طريق الالفاظ والتراكيب التي تمس العاطفة وتذكّر بالمثل العليا وتذكي شعلة الدين في النفوس في الجموع الحاشدة لا الاقناع البرهاني الذي يحتكم فيه المتناظران إلى العقل والمنطق . الشعر خاصة والشعر الذي وصل الينا من صدر الاسلام الأول قليل جدا . وإذا كان من غير المنكر أن يكون قسم من ذلك الشعر قد ظلّ جاهليّا في كل شيء ، فان من غير المستغرب أيضا أن نجد أن قسما آخر منه قد أصبح إسلاميّا في أغراضه : قلّ فيه المديح ، وقلّت المبالغة في ذلك المديح ، وكذلك قلّ فيه الهجاء ، ثم قلّ الافحاش في ذلك الهجاء . ومثل ذلك جرى في الغزل والنسيب إلى حدّ . وكثر في هذا الشعر الاسلامي الأول الرثاء للشهداء والتمدّح بالاسلام . وكثر في ذلك الشعر كلّه ضرب الأمثال وإيراد الحكم والقصد إلى المواعظ مما يحث على مكارم الأخلاق وعلى التمسّك بالآداب التي كانت مثلا عليا حتّى في أيام الجاهلية . وكلّ ذلك كان تأثّرا بالقرآن الكريم وبالحديث الشريف . وتطوّر الهجاء القبلي من هجاء يوري الأحقاد ويشير النفوس إلى نقاش سياسي