عمر فروخ

254

تاريخ الأدب العربي

النثر والشعر في صدر الإسلام إن النثر الذي وصل الينا من الجاهلية نزر جدا ( فلقد كان احتفال الرّواة بالشعر أعظم ، مع أن الشعر الذي وصل الينا من الجاهلية أيضا لم يكن كثيرا ) . وإذا نحن اعتبرنا الفصول ( الكلم الجوامع من الجمل القصار ) والتوقيعات ( ما كان الخلفاء يثبتونه من الجمل القصار في أعقاب الرسائل التي ترد إليهم من الولاة ومن سائر الناس ليجيزوا ما في هذه الرسائل أو ليبطلوه ) ثم قارنّاها بما روي لنا من النثر الجاهلي ( من الأمثال والخطب والوصايا ) ثم عرضنا هذه الموازنة على أساليب التعبير عن الاغراض المختلفة في القرآن الكريم ، أدركنا وشيكا أن هذا النثر الاسلامي الأوّل كان استمرارا للنثر الجاهليّ ؛ وإن كان النثر الاسلاميّ الأول يختلف من النثر الجاهليّ في أمور : أ - كان هذا النثر الاسلاميّ الذي وصل الينا أكبر مقدارا وأوسع مدى : هنالك ، إلى جانب أحاديث رسول اللّه ، خطب رسول اللّه وخطب الخلفاء الراشدين وخطب قادة الجيوش ، بالإضافة إلى الروايات التي حملت الينا قدرا كبيرا من اللغة والأدب والتاريخ والقصص . ب - ان هذا النثر الذي جاء الينا من صدر الاسلام كان موثوق الرواية ثبتا أكثر من النثر الذي وصل الينا من الجاهلية . ج - ثم إن هذا النثر كان ، بطبيعة الحال ، شديد التأثّر في أغراضه وأساليبه بالقرآن الكريم من وجهين : كان في الدرجة الأولى أفصح ألفاظا وأسهل تركيبا وأعذب تعبيرا ، وأما من الجهة الثانية فقد كان أمتن سبكا وأبرع دلالة وآنق ديباجة لأن الناثرين كانوا قد تأثّروا ببلاغة القرآن الكريم التي كانت تجري في أساليب متعدّدة بتعدّد الاغراض من ترغيب وترهيب ، ومن وعد ووعيد ،