عمر فروخ

202

تاريخ الأدب العربي

- تناءوا في الديار وتواصلوا في المزار . - تناءوا في الديار ولا تباغضوا ، فان من يجتمع يتقعقع عمده . ومن وصية لأكثم بن صيفيّ يعظ فيها قومه : يا بني تميم ، لا يفوتنّكم وعظي ان فاتكم الدهر بنفسي « 1 » . ان بين حيزومي وصدري لكلاما لا أجد له مواقع إلا أسماعكم ، ولا مقارّ إلا قلوبكم فتلقّوه بأسماع مصغية وقلوب واعية تحمدوا مغبّته « 2 » . الهوى يقظان والعقل نائم ، والشهوات مطلقة ، والحزم معقول ، والنفس مهملة ، والرويّة مقيّدة « 3 » . ومصارع الرجال تحت بروق الطمع . ومن سلك الجدد أمن العثار « 4 » . ولن يعدم الحسود أن يتعب قلبه ويشغل فكره ويؤرّث غيظه ، ولا تجاوز مضرّته نفسه « 5 » . قيل إن أكثم بن صيفيّ عزّى عمرو بن هند عن أخيه فقال : إن أهل هذه الديار سفر لا يحلّون عقد الرحال إلّا في غيرها « 6 » . وقد أتاك ما ليس بمردود عنك ، وارتحل عنك ما ليس براجع إليك ، وأقام معك من سيظعن عنك ويدعك « 7 » . واعلم أن الدنيا ثلاثة أيام : فأمس عظة وشاهد عدل فجعك بنفسه وأبقى لك وعليك حكمته ، واليوم غنيمة وصديق أتاك ولم تأته ، طالت عليك غيبته وستسرع عنك رحلته ، وغدا لا تدري ما أهله ، وسيأتيك ان وجدك . فما أحسن الشكر للمنعم والتسليم للقادر ! وقد مضت لنا أصول نحن فروعها ، فما بقاء الفروع بعد أصولها ؟ وأعلم أن أعظم من المصيبة سوء الخلف منا ؛ وخير من الخير معطيه ، وشرّ من الشر فاعله .

--> ( 1 ) ان أخذني الدهر ( ان مت ) فلا تفوتنكم النصيحة مني ( ان خسرتموني فلا تخسروا نصائحي ) . ( 2 ) الحيزوم : مقدم الشيء ، الفم . مقار جمع مقر : مكان . مصغية : مائلة ، منتبهة . واعية : حافظة . تحمدوا مغبته : تكن عاقبته عليكم حسنة . ( 3 ) مطلقة : حرة تسلك أين شاءت . معقول : مربوط . الروية : التفكير مع التأني . مقيدة : مربوطة . ( 4 ) طمع الانسان يقوده ( أحيانا ) إلى الهلاك . « من سلك الجدد ( من سار في الطريق الواضح ) أمن العثار » مثل . ( 5 ) أرث غيظه : ضرمه ، زاد في ايقاده . ( 6 ) السفر ( بسكون الفاء ) : جماعة المسافرين معا . هذه الدار : الدنيا . يحلون عقد الرجال في غيرها : ينزلون ، يستقرون في الآخرة . ( 7 ) وقد أتاك ( أي الموت ) . وارتحل عنك ( أي أخوك الذي مات ) . يظعن : يرتحل . يدع : يترك ، يفارق .