آقا بزرگ الطهراني
675
طبقات أعلام الشيعة
اعلام النجف ، فحضر عليه ولازم درسه سنين طوالا ، وكتب من تقريراته في الفقه والأصول كثيرا ، وتلمذ في الاخلاق على السيد على التستري ففاق فيه اعلام الفن ؛ ولما توفي أستاذه الأنصاري في سنة ( 1281 ) لم يتلمذ على غيره إذا لم يكن محتاجا كما لم يخرج من العراق كغيره ممن سافروا إلى إيران وغيرها ، بل لزم بيته وانزوى ولم يتصد للفتوى ولم يتطلب الرياسة ، الا ان الخواص من أهل العلم والفضل والتقى والدين لم يتركوه وشأنه دون ان يستفيدوا منه ويغترفوا من معين فضله ، فقد حف به من أولئك عدد كثير والزموه بالتدريس فأجابهم ، لكنه لم يرغب بالتظاهر والجهر به بل كان مدرسه داره ، ومع ذلك فقد كان درسه مجتمعا حافلا وكان للطلاب تهافت عليه وزحام حوله ، وكان يدرّس في الفقه والأصول كتبه التي الفها من تقريرات أستاذه الأنصاري ، وكان له درس في الاخلاق بداره صبح كل يوم - وبعده يدرس الفقه والأصول - وهو في خصوص هذا العلم امر عظيم لا يحدّه وصف ، فقد مضت حقبة طويلة لم يجد خلالها الزمن بمن ماثله في علم الاخلاق وتهذيب النفوس ، وقد ختم به هذا الفن فلم ينبغ بعده من يكون له ما كان للمترجم له بحيث يعد نظيرا له ؛ على أنه هذّب زمرة من تلامذته كانوا بعده نجوما تزان بها سماء العلم والفضيلة ، وانا وان لم أدرك فيض خدمته ولم يكتب لي التشرف برؤيته حيث دخلت العراق بعد وفاته بعامين في « 1313 » ، لكن أدركت فريقا كبيرا من تلاميذه الذين لازموه ليلا ونهارا حتى حصلوا ما أرادوا وحظوا بالسعادة الأبدية . وقد طهّرهم من أوضار هذه الحياة حتى قرنوا العلم بالعمل ، فقد رأيت اثر تربيته الحسنة بينا عليهم باديا في سيماهم ، وبالجملة فان له فضلا كبيرا على أكثر علماء الطبقة التي تليه ممن أدركنا فيض خدمته ووفقنا للمثول بين يديه . وكان أستاذه السيد التستري - وهو مشغول بتربيته وصقل نفسه - يحس منه الاستعداد واللياقة لا ليهذب نفسه فقط بل : ليقود أمامه جمهورا كبيرا ويبذر في أصحابه واتباعه هذه الروح المركزة ؛ وقضية واحدة تعطينا صورة عن اهتمام أستاذه له وتنبؤه فيه .