آقا بزرگ الطهراني
358
طبقات أعلام الشيعة
موجودة ، وكان والد المترجم من أعاظم الملاكين والأعيان المتمكنين ومن العرفاء الصلحاء وأهل الباطن والصفاء وقد رأى في ولده هذا منامات صادقة قبل ولادته وبعدها تشعر بأنه يصير عالما ، وقد تفرّس فيه بعد نشوه وتأكد بعض التفاؤلات فيه فعزله عن إخوته وأحضر معلما في بيته يتعهد تربيته وتعليمه إلى أن بلغ من العمر حدود ثمانية عشر عاما فبعثه إلى قزوين لتكميل اشتغاله وهيأ له أسباب الرفاه ولوازم العيش وعين له زوجة من عشيرة ( أرباب ) المعروفة هناك بالشرف فبقي بها مشتغلا على العلامة المولى عبد الكريم الإيرواني حتى صدرت له منه الإجازة وهو ابن خمس وعشرين سنة فهاجر بأهله إلى النجف فدخلها قبل وفاة صاحب ( الجواهر ) بثلاث سنين فحضر بحثه يوما فعرضت له شبهة فعرضها ولم يسمع جوابا فتكلم فيها بعض التلاميذ ثم قيل له أن كشف شبهاتك عند الشيخ المرتضى الأنصاري فقصده وعرضها عليه فأجابه الشيخ وأبان له الفرق بين ، الحكومة والورود ، فبهت واستغرب الاصطلاح فقال له الشيخ المرتضى أن إشكالك لا يرتفع إلا بالحضور عندي مدة أقلها شهرين ، وكان المترجم إذ ذاك عازما على الرجوع فأعرض عنه ، وحضر بحث الشيخ فرآه بحرا لا يبلغ قعره ولا ينال دركه فعزم على الإقامة والاستفادة فبقي يشتغل في غاية الجدّ والاجتهاد في الفقه والأصول ملازما له مقتبسا من أنواره ومغترفا من بحار علومه ومما يؤثر عنه قوله ( ما فاتنى بحث من أبحاث الشيخ منذ حضرت بحثه إلى يوم تشييعه مع أني كنت مستغنيا عن الحضور قبل وفاته بسبع سنين ) ولما توفى الشيخ انتهى أمر التدريس إلى المترجم فكانت حوزته تعدّ بالمئات وأكثرهم من شيوخ العلماء وأفاضل الفقهاء والمجتهدين ولم يكن في زمانه أرقى منه تدريسا وأكثر نفعا حتى أن أكثر العلماء المشاهير الذين نبغوا بعده في سائر المناطق الشيعية قد تخرجوا عليه وأخذوا عنه ، وكان مجلس درسه محتويا على أصناف العلماء من العرب والعجم من المحققين في الفقه والأصول والمعقول والمنقول وغير ذلك لأنه كان وحيد عصره في ابتكار الأفكار الحسنة والتحقيقات المستحسنة وحلاوة التعبير ورشاقة البيان هذا ما كان من جهة علمه وأما ورعه ونسكه وزهده فهو ما لا يحده القلم ولا يصفه البنان فقد كان في غاية الورع والتقوى والزهد عن حطام الدنيا وكان سليم الذات صافي النية