حسن حسني عبد الوهاب

560

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين

تحرير الرسائل الدولية ولم يزل على هذا الوظيف إلى أن آلت الدولة إلى الأمير أحمد باشا فعرف ما للرجل من المقدرة والكمال وجعل بيده رئاسة قلم دولته واتّخذه كاتب سرّه ورقاه إلى الرتب العالية حتى صار يلقب " بشيخ الدولة " وكان الباي يعتمده في سفاراته إلى الدولة العثمانية واستصحبه في سفره إلى فرنسا - سنة 1262 - لما يعلم من صدقه وأمانته وإخلاصه في النصيحة وكان هذا الباي يعده بحق من مفاخر دولته ولا يرضى بغير مجالسته ومؤانسته ويحضره للتدبير مع أعيان وزرائه في المهمات ومنحه من الألقاب الشرفية رتبة أمير لواء - سنة 1263 - وما برح ملازما لمبرة مخدومه إلى أن توفي . وبقي شيخ الدولة على وظيفته العالية مع خلفه ، فلما تولى محمد الصادق باي جعله من أعضاء مجلس الشورى الخاص - سنة 1277 - وسمّاه وزيرا 3 واعتمده في شرح القانون الأساسي للدستور التونسي المسمّى بعهد الأمان 4 فأحكم قواعده ومتّن دعائمه ولم يزل يتدرّج في الوظائف السامية إلى أن كبر سنّه وأقعده العجز والمرض فطلب بإلحاح إعفاءه من مباشرة الخدمة وكتب إلى الباي في ذلك رسالة أتى فيها على أساليب البلاغة وضمّنها قول الشاعر : إن الملوك إذا شابت عبيدهم * في رقّهم عتقوهم عتق أبرار فأعفاه الأمير من المباشرة وأجرى له جراية مناسبة لمقامه . كان - رحمه اللّه - عزيز النفس كريم الأخلاق صريح القول صادق اللهجة حسن المحاضرة حلو الدعابة ذا عفّة ووقار ولم يحفظ عنه شيء يشينه . وله شعر كله عيون 5 أثبتنا منه نصيبا في غير هذا " * " أما النثر فكان فيه نسيج وحده يبلغ به إلى درجة لا مطمع فيها لمنازع ويميل في ترسّله إلى الطريقة الأندلسية - طريقة الفتح بن خاقان ولسان الدين ابن الخطيب - من إيثار السجع والمحسّنات البديعية كما هو الذوق الشائع في وقته ، وبالجملة كان أقدر من أبرزه الأدب في ذلك العصر 6 من كتاب القطر 7 . ووافاه الأجل يوم الثلاثاء 18 شعبان من سنة 1291 ( 29 سبتمبر 1874 )

--> ( * ) مجمل تاريخ الأدب التونسي ص 278 - 282 .