حسن حسني عبد الوهاب

50

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين

النحويون من أن الكلام كله اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ، وأن يقصد في تأليفه إلى ذكر الحرف الذي جاء لمعنى ، وأن يجري ما ألفه من ذلك على حروف المعجم ، فسارع أبو عبد اللّه القزاز إلى ما أمره العزيز به ، وجمع المتفرّق من الكتب النفيسة في هذا المعنى على أقصد سبيل ، وأقرب مأخذ ، وأوضح طريق . ( الوفيات ) ( 9 ) . ويظهر أن القزاز فارق مصر بعد وفاة مخدومه العزيز باللّه - سنة 386 - وعاد إلى بلده ومسقط رأسه القيروان واستقر به إلى آخر حياته وتصدّر لتدريس العربية ، والأدب ، فتخرج عليه مشاهير أدباء الطبقة الزاهرة حسبما يأتي . وكانت طريقة القزاز في مجالس دروسه أن يلقي على طلبته مشكلات المسائل اللغوية ، ويطرح عليهم أبيات الشعر العويصة ويطلب منهم فك معانيها وتفسير ألفاظها ، حكى ابن رشيق ، قال : وحاجى شيخنا أبو عبد اللّه بعض تلاميذه فقال له : أحاجيك عبّاد كزينب في الورى * ولم تؤت إلّا من حميم وصاحب فأجابه التلميذ بأن قال : سأكتم حتى ما تحس مدامعي * بما أنهل منها من دموع سواكب فكان معكوس قول أبي عبد اللّه : عبّاد كزينب ( سرك ذائع ) فقال الآخر ( سأكتم ) فأجابه على الظاهر إجابة حسنة ومعكوس سأكتم ( منك أتيت ) فكأنه قابل به قول الشيخ " ولم تؤت إلّا من حميم وصاحب " ( العمدة 1 : 211 ، معجم الأدباء 6 : 496 ) 11 . ولا يخفى ما في الإتيان بمثل هذه الفكاهات والملح الأدبية في عرض الدروس من تشحيذ لقريحة الطالب وإيقاظ لهمته من الملل ، علاوة على ما في ذلك من المباسطة المحمودة والمؤانسة اللطيفة التي تربط أيما ارتباط التلميذ بشيخه 12 . ويؤكده ما مدحه به تلاميذه من القصائد الكثيرة ، فمن ذلك قول يعلى بن إبراهيم الأربسي من أبيات 13 . نسجت شعاعا بيننا منها فبت * نا جميعا تحت ثوب مذهب