حسن حسني عبد الوهاب

41

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين

وكان السبخي على الجانب الوافر من الأخلاق الحميدة وكرم النفس والإيثار والزهد . قال المالكي : " كان عالما باختلاف العلماء واتفاقهم مع المعرفة الواسعة بالنحو واللغة وعلوم القرآن وانتفع به خلق من الناس " ومما حكي عنه : " قال له تلميذه عبد اللّه بن نصر يوما : أصلحك اللّه ، أردت سكنى المنستير للمرابطة ، - فقال له : لا تفعل ، قال : ولماذا ؟ فقال : كان أندلسي يطلب العلم عند سحنون بن سعيد فقال له : أردت سكنى المنستير فقال له : لا تفعل فإن الذي أنت فيه من طلب العلم أولى من المرابطة وأفضل " . وحكى عبد اللّه بن نصر المتقدم قال : كنت جالسا عنده حتى دخل عليه رجل فشكا إليه فاقته ، فنزع جبّته فرمى بها إليه وبقي عريانا في خلق مئزر من صوف ، فلما خرج الرجل قلت له : - هذا مرفوع عنك ، أنت في فاقة وليس لك من الدنيا شيء - فقال : يأتي ما هو خير منها إن شاء اللّه تعالى - فبعد حين دخل عليه ابن كندوس المقدّم ( ؟ ) ومعه غلامه يحمل رزمة فيها جبة شرب 4 رفيعة ومنديل مهلّبي ، ومئزر جديد ، ودفع إليه صرة فيها نفقة ، وقال له ابن كندوس : - يا سيدي ، أحب أن تقوم من مكانك حتى ألبسك بيدي ، فقام على رجليه وكساه الجبة وجعل المنديل على رأسه وشد المئزر في وسطه ، فدعا أبو علي بخير وانصرف . ومن إيثاره وزهده ما روى الدباغ قال : " كان أبو علي لا يدّخر شيئا لغد ، يأخذ ما به القوام ويجود بالفاضل ، وقال مرة لرجل مرشا 5 في شيء نازعه فيه من أبيات شعر - ثم استدرك وقال : لا حول ولا قوة إلّا باللّه ! وقال لذلك الرجل : لا بدّ أن تقول لي مثلما قلت لك - فكبر ذلك على الرجل فلم يزل به حتى قال له مثلما قال ، فحينئذ طابت نفسه " . ومن شعره ما كتب به إلى بعض إخوانه يعرض له بشيء : من كان يبغي الذل لنفسه * فليطلع الناس على فقره ما للفتى إن عضه دهره * معول أحسن من صبره