حسن حسني عبد الوهاب

171

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين

لو كان فضل السبق مندوحة * فضل إبليس على آدم قال : فلما بلغه البيتان أمسك عن تأليفه واعتذر عنه ومات وقد سدّ عليه باب الفكرة فيه ولم يصنع شيئا . وإنما استعمل ابن رشيق هذه الحيلة - وقد نجحت - ليفوز دون غيره بتدوين حياة شعراء عصره ، فصنف فعلا كتابه " الأنموذج " العديم النظير . ومهما يكن من الأمر فإن الحصري يعدّ في الصف الأول من بلغاء الكتاب كما تشهد بذلك تآليفه الواصلة إلينا ، كما كان من الشعراء المجيدين لولا ما يتكلف في نظمه حسبما أشار إليه ابن رشيق حينما عرف به في " الأنموذج " قال : " كان شاعرا نقادا عالما بتنزيل الكلام وتفصيل النظام يحب المجانسة والمطابقة ويرغب في الاستعارة تشبّها بأبي تمام في أشعاره وتتبّعا لآثاره وعنده من الطبع ما لو أرسله على سجيته لجرى مجرى الماء . ورق رقة الهواء وسارت تآليفه وانثالت عليه الصلات من الجهات " . وللّه در صديقنا الأديب الكبير المرحوم عبد العزيز البشري فيما كتب عن الحصري ومأثرته الأدبية ، قال " * " : " الحصري كما يعرفه كل متأدب في العربية رجل واسع العلم عظيم الاطلاع نافذ الذوق بليغ الاختيار يؤثر في تواليفه إرسال القول ما دعت المناسبة إليه ، فيتبع الملحة الظريفة بالقصيدة البارعة ويلحق النادرة الطريفة بالخطاب القاطع فيتحول بقارئه من فن إلى فن ويستدرجه من حديث إلى حديث دون أن يتداخله الملل أو يحس انطواء الزمن بتجديد اللذة ، وتغير الفكر على مختلف الصور " . مات الحصري 3 - فيما رواه ابن رشيق في الأنموذج - بالمنصورة المعروفة بصبرة حذو القيروان - خلال سنة 413 وقد جاوز الأشد . وذكر ابن خلكان بالنقل عن " الذخيرة " لابن بسام أنه توفي سنة 453 معتمدا في ذلك رواية القاضي ابن الزبير في كتابه " الجنان " وقد نص فيه على أنّ الحصري ألف " زهر الآداب " الآتي في سنة 450 .

--> ( * ) مقدمة ك " جمع الجواهر للحصري ص م " .