حسن حسني عبد الوهاب
901
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين
بين سليمان وهذا الوزير الأغلبي منافسة ، فما كان من القاضي سليمان بن عمران بعد أن سمع هذه الحكاية إلّا أن أرسل إلى علي بن حميد من أبلغه قوله : " الناس ينتقلون من حال إلى أشرف منها وأنت ترتكس ، كنت عند الناس طباخا فرضيت أن تصبح فيهم روّاسا " . يشير بذلك إلى أن دار الوزير علي بن حميد كانت مشهورة بأحكام الطبخ وإتقانه حتى أنه كان يضرب المثل بحسن طبيخها في القيروان . وفي تلك الأثناء ساءت الحال بين سليمان بن عمران وبين محمد بن سحنون بعد الصداقة الطويلة والمودّة القديمة . ويظهر أن الخلاف كان منشؤه التزاحم والتنافر بين المتمسكين بآراء أهل المدينة والمرجحين لآراء أهل العراق . فصار كلّ منهما يسعى لصاحبه ويستميل بعض رجال الدولة مثل الوزير علي ابن حميد وغيره ، ويقال : إن سليمان تشدد في قضائه على جماعة المدنيين - أي المالكيين - وخصوصا على أصحاب محمد بن سحنون حتى أداه التحامل إلى سجن بعض العلماء المنتمين إلى الشق المخالف بل قيل ضرب بعضهم بالسياط . وتفاقم الأمر حتى توارى محمد بن سحنون مدة والتجأ آخرا إلى الأمير محمد بن الأغلب فحماه . وفي نهاية الأمر عزل سليمان بن عمران عن القضاء سنة ( 257 ) 6 وصرفه عبد اللّه بن طالب صاحب ابن سحنون كلّ ذلك بمساعي من كان مناصره في البلاط الأغلبي . وبعد سنوات قليلة أعيد سليمان 7 ثانيا إلى القضاء سنة 259 ه وأقام عليه مدة طويلة فأعاد الحملة على المنتسبين إلى المالكية ، وتجدد التنافر بين الشقين ممّا يطول بيانه هنا . ودامت الحال إلى أن شاخ سليمان بن عمران وظهر عليه الفتور فاضطر إبراهيم الثاني لصرفه نهائيا عن الخطة سنة 267 ه 8 . ولم يبطئ سليمان أن أدركه أجله عن سنّ عالية فتوفي مأسوفا عليه من جميع أهل القيروان ، وذلك ليلة السبت لسبع بقين من شهر صفر سنة 270 ه ( 883 م ) وصلّى عليه خصمه بالأمس القاضي عبد اللّه بن طالب . ودفن بمقبرة باب سلم . وعلى قبره إلى الآن عمود رخام مربع مستطيل مرسوم عليه اسمه وتاريخ وفاته 9 ، وهو مشهور عند أهل البلد باسم " قاضي الحق " رحمه اللّه تعالى .