حسن حسني عبد الوهاب
893
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين
شيء فسألت عنها البهلول بن راشد فقال : ما عندي فيها علم ، ولكن اذهب إلى ابن فرّوخ الفارسي وانظر الجواب وأخبرني . فذهبت إلى ابن فرّوخ وسألته فقال : أهؤلاء الذين تبعث إليهم هذه السلاسل معاهدون ؟ قلت : نعم ، فقال : ما أرى هذا يجوز وهذا غش ، فرجعت إلى البهلول فأخبرته فقال : هو كما قال ابن فرّوخ ، ثم قال : " ابن فرّوخ الدرهم الجيّد وأنا الدرهم الستوق " . قال سكن الصائغ فما عرفت أي شيء الدرهم الستوق فسألت عنه فقيل لي : " الدرهم النحاس " . قال ابن قادم " كان الناس بالقيروان يتبركون بصحبة ابن فرّوخ ويجلسون له على طريقه إذا خرج من داره ويمشون معه حتى يأتي الجامع رجاء أن يغتنموا منه موعظة حسنة " . يطول بنا الكلام لو أردنا استقصاء أخبار هذا الحبر الفاضل . ونكتفي بذكر بعض شهادة المؤرخين فيه . أبو العرب : " كان من شيوخ إفريقية ثقة في حديثه " . تلميذه ابن أبي مريم " هو أرضى أهل الأرض عندي " . ابن الجزار في طبقاته : " كان فقيها ورعا يكاتب مالكا في المسائل فيجاوبه عنها ، وقد خرج له البخاري ومسلم في صحيحيهما " 5 . وقد قدّمنا أن القاضي ابن غانم أراد تشريك رفيقه ابن فرّوخ في أمور القضاء . وألح عليه في القبول فعزم ابن فرّوخ على الخروج إلى الحج طلبا للسلامة ففارق القيروان سنة 175 ه . ودخل مصر . ثم تمادى إلى مكة ومنها إلى المدينة حيث اجتمع للمرة الثانية بإمامه وشيخه مالك بن أنس . حكى الطحاوي أن ابن فرّوخ قدم المدينة فلبس ثيابه وأتى قبر النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - فسلّم عليه ، ثم أتى مالكا فلما رآه مالك تلقاه بالسلام وقام إليه ، وكان لا يكاد يفعل ذلك بكثير من الناس . وكان لمالك موضع من مجلسه يقعد فيه وإلى جانبه المخزومي معروف له لا يستدعي مالك أحدا للقعود فيه ، فأجلسه فيه وسأله عن أحواله ، ومتى كان قدومه ، فأعلمه أنه في الوقت الذي أتى إليه ، فقال له مالك :