حسن حسني عبد الوهاب

890

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين

يسمعهم إلى وقت ذكروه ، قال ابن فرّوخ : " فكنت أختلف إلى داره طمعا أن أصل إليه فلم أقدر على ذلك ، فجلست يوما على بابه وأنا مفكّر في غربتي وما حرمته من السماع منه إلى أن فتح الباب فخرجت جارية فقالت : " ما بالك واقفا على بابنا قلت : " أنا رجل غريب " وأعلمتها بخبري فقالت : " أين بلدك ؟ " فقلت : " إفريقية " فانشرحت لي وقالت : " أتعرف القيروان ؟ " فقلت لها : " ومن أهلها أنا " قالت : " لعلّك تعرف دار ابن فرّوخ ؟ " ثم تأملتني وقالت : " عبد اللّه ؟ قلت : نعم فإذا هي جارية كانت ببلادنا - أو قال : من بلادنا - وأظنه قال : كنت رضيعا لها فبعناها وهي صغيرة ، فصارت إلى الأعمش وقالت له : ابن مولاي الذي كنت أخبرتك بخبره بالباب ، فأمرها بإدخالي وأسكنني في بيت قبالته ، فكنت أسمع منه وحدي وقد حرم سائر الناس إلى أن قضيت أربي منه " . وفي العراق اجتمع ابن فرّوخ بالإمام أبي حنيفة النعمان وقرأ عليه وصحبه مدة طويلة وكتب عنه مسائل كثيرة : يقال : إنها عشرة آلاف مسألة . وكان ابن فرّوخ يميل إلى مذهب النظر والاستدلال فغلب عليه القياس على رأي أهل العراق فيما يتبيّن له أنه صواب . حكى عن نفسه أيضا ، قال : " كنت يوما عند أبي حنيفة فسقطت آجرة من أعلى داره على رأسي فدمي ، فقال لي : اختر ، إن شئت أرش الجرح ، وإن شئت ثلاثمائة حديث ، فقلت : الحديث خير لي ، فحدثني بها " . ويروى أنه ناظر يوما زفر " * " في مجلس أبي حنيفة فازدراه زفر لهيئته المغربية ، فلم يزل يناظره حتى علا ابن فرّوخ عليه وقطعه بالحجة والدليل ، فأنكر أبو حنيفة ازدراءه بابن فرّوخ وعاتبه . كما لقي ابن فروخ في هذه السفرة إمام دار الهجرة مالك بن أنس ، وسمع منه الحديث ، وتفقّه عليه ، وكتب عنه مسائل .

--> ( * ) زفر بن الهذيل بن قيس التميمي ، أبو هذيل ، محدث كبير من مشاهير أصحاب أبي حنيفة ، مولده سنة 110 ه ووفاته سنة 158 ه - راجع طبقات الحنفية 3 .