حسن حسني عبد الوهاب

651

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين

ومن ناحية أخرى فإن البراذعي ربما كان يميل إلى الولاة الفاطميين ويواليهم ويقبل هداياهم حتى قيل : إنه ألّف لهم كتابا في إثبات نسبهم إلى فاطمة الزهراء ، وقيل - أيضا - إنه وجد بخطه في بعض أمراء الشيعة تعريض بالبيت المشهور : أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا * وإن وعدوا أوفوا وإن عقدوا شدّوا ولا يخفى ما كان للإفريقيين عموما والقيروانيين خصوصا وقتئذ من البغض المكين والكراهية الشديدة للعبيديين بسبب مساعيهم من حين استيلائهم على البلاد في إظهار مذهبهم الشيعي ومحاولتهم إجبار السكّان على القول بآرائهم الباطنية . لذلك كلّه كان أهل القيروان - من هيئة الفقهاء وغيرهم - يتّهمون البراذعي بالشذوذ عن عصبتهم والمروق منها . وأدّى ذلك بهم إلى أن هجروه ورفضوا أقواله ، وحرّضوا طلبة العلم على ترك قراءة مؤلفاته - ما عدا كتابه التهذيب لما قرّب وسهّل - . ولم يمنعهم هذا من اعتراف جميعهم بسعة درايته ، وقوة عارضته في العلوم الفقهية . ولأجل هذا الجفاء لم تتهيّأ للبراذعي أية رئاسة في بلده حتى أنّه اضطر آخرا - وكانت له نفس طامحة - إلى الانتقال بالسكنى إلى صقلية ونزل عاصمتها مدينة " بلرم " وقصد أميرها أبا الفتوح يوسف من أسرة ابن أبي الحسين الكلبيّين فنال عنده حظوة عظيمة وبث هنالك علما كثيرا . ويظهر أن نزوحه إلى صقلية كان في حوالي سنة 375 ه بدليل كونه ألّف كتابه التهذيب عام 372 ه في القيروان . وبالرغم من انتقاله لم تنمح الحزازة التي كانت بينه وبين ابن أبي زيد ، فقد قيل : إنه لمّا بلغه خبر وفاة ابن أبي زيد قال له بعض أصحابه : مات لك ابن أبي زيد . يشير إلى استراحته منه فقال : " هيهات . وإن مات لي ابن أبي زيد فلم يمت كتابي كتابه " . ولم يذكر المؤرخون تاريخ وفاته . والمحقق أنه مات بصقلية أواخر القرن الرابع وبعد سنة 386 ه يعني بعد وفاة ابن أبي زيد . ولا تصحّ رواية من ذكر أنه رجع بعد ذلك إلى مسقط رأسه 1 .