حسن حسني عبد الوهاب
85
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين
على القيروان سنة 329 ه . وقد جلب في قافلته أحمالا كثيرة من نفائس المؤلفات الشرقية ، ما بين لغوية وأدبية وتاريخية ودواوين شعر الجاهليين والمخضرمين والمولّدين ، فباع منها في مدة عام كامل ما شاء أن يبيع لأهل إفريقية ثم تحول بعد ذلك في سنة 330 ه . إلى الأندلس بما بقي له منها ، وإنّا وإن لم نقف على ما فرط منها في إفريقية إذ لم نعلم تسمية ما باعه في القيروان وتونس ، فإنا نعلم بالضبط ما حمل إلى قرطبة فإنك تجد تسميته وتعيينه في القائمة الطويلة الذيل التي حفظها لنا أبو بكر بن خير الإشبيلي في فهرست مرواياته " 1 " وكم من تاجر غير هذا البغدادي ورد على البلاد التونسية من المشرق والأندلس بقصد بيع الكتب ولم يصل إلينا خبره . * * * انقرضت دولة بني عبيد الفاطميين ، وخلفهم بنو زيري الصنهاجيون وقد اشتهر من بين أمرائهم بالعلم والأدب والفنون الجميلة المعز بن باديس واسطة عقدهم . ازدهرت في مدته العلوم وبلغت الحركة الأدبية ما لم تبلغه في أي عصر من عصور التمدن العربي الإفريقي ، وكان بلاط المعز الصنهاجي من أزهر قصور ملوك الإسلام . بلغت إذ ذاك العناية بالكتب ونسخها وتنسيقها وزخرفتها إلى أوج لم تدركه من قبل كما تشهد به المصاحف المحبّسة من لدن عمّته ( أمّ ملال ) وحاضنة أبيه ( فاطمة ) وأخته ( أمّ العلو ) وزوجته ( زليخاء ) فإن هذه المصاحف تعدّ بحق آية في جمال الخط ورونق التذهيب والزركشة والتزويق مع كبر الحجم ومتانة الرقوق مما لا يتسنى صنعه وتدبيجه إلا في بلاط بلغ الذروة في الذوق والتفنّن . ومن حسن الحظ أن حفظت لنا الآثار أسماء بعض الخطّاطين الذين كانوا يتداولون النسخ في بلاط المعز بن باديس ، فمنهم : الحارث بن مروان - وابنه
--> ( 1 ) راجع فهرست مرويات أبي بكر بن خير طبعة سرقسطة بإسبانيا سنة 1892 ص 395 وما بعدها .