حسن حسني عبد الوهاب
53
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين
والمشاركة في وضع الحجر الأساسي للنهوض بالأمة في تعلمها وتثقيف أفرادها . أما الملوك الفاطميون بإفريقية ، وقبل انتقالهم النهائي إلى مصر ، فقد كانت لهم عناية لا مزيد عليها بتربية صغار أمراء بيتهم - ذكورا وإناثا على السواء - فكانوا يجتهدون في تثقيفهم ثقافة علمية وأخلاقية عالية تناسب المحيط الراقي الذي يعيشون فيه ، وكانت حاشية قصورهم تتألف من إماء قارئات مهذبات مجلوبات من المشرق ، وكذا موال وفتيان يعدّون بالمئات من أجناس مختلفة ما بين صقالبة ( من الجرمان ) وصقلّيين درّبوهم من الصغر على التعليم بعد إسلامهم وقد خصّوا كل أمير صغير من أولادهم بمربي أو أكثر يصاحبه في صباه وطول حداثته ، فيلّقنه العلوم ويدرّبه على الفروسية والفتوّة ويخلقه بالشمائل الكاملة مما يؤهّله للقيام بشؤون الملك متى صار الحكم له . خذ مثلا رابع خلفاء الفاطميين وواسطة عقدهم ( أبو تميم معدّ الملقب فيما بعد بالمعزّ لدين اللّه ) فإنه ولد في قصر جده عبيد اللّه بالمهدية - رمضان 317 ه - 929 م - ولما نشأ وترعرع سلّمه أبوه إسماعيل المنصور إلى مربّ من أخصّ فتيانه وهو ( المظفر ) فصاحبه حتى كبر وتولى الخلافة . وفي تلك الأثناء تعلّم المعزّ عدة لغات منها ( البربرية الليبية ) لسان شيعة أسرته وأنصارها من قبائل كتامة ، ومنها ( الرومية ) وهي اللغة اللاطينية الدارجة التي يتخاطب بها قسم من رعاياهم في البلاد وفي جزائر البحر المتوسط ، و ( السودانية ) التي يتكلّم بها عبيدهم وجانب لا يستهان به من حرس قصورهم ، وبهذه المعلومات الواسعة المدى وهذه التربية اشتهر المعز قبل أن يلي الخلافة بحصافة الفكر وفصاحة اللسان والخبرة التامة بتدبير الملك . أورد المقريزي " 1 " نادرة طريفة تؤيد ما كان للمعز من المعرفة باللغات قال : " كان ( المظفّر ) الفتى الصقلبي قد بلغ رتبة عظيمة عند المنصور ، وكان المظفر يدلّ على المعز لأنه علّمه وهو صغير ، فاتفق أنه حرد - أي غضب - يوما فسمعه المعزّ
--> ( 1 ) اتعاظ الحنفاء ، بأخبار الخلفاء - ط . القدس 1908 ص 65 [ 1 : 101 ] .