حسن حسني عبد الوهاب

46

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين

خليفة منهم ، ولا قائد جيش ، ولا وال ، ولا محارب من جندهم ، إلّا وقد كانت عنايته متجهة إلى تعميم الدعوة ، وتوطيد اللغة العربية - لغة القرآن والحديث - وما منهم إلّا وقد جعل تلك الأمنية الغاية الكبرى التي يرمي إليها طموحهم الأسنى . روى الرقيق - مؤرخ القيروان - أن موسى بن نصير : " أمر العرب أن يعلموا البربر القرآن وأن يفقّهوهم في الدين " " 1 " ونقل غيره : " إن موسى ترك سبعين رجلا من العرب يعلمون البربر القرآن وشرائع الإسلام " وكان عقبة بن نافع ترك فيهم قبله بعض أصحابه يعلمونهم القرآن ، منهم تابعه ( شاكر ) وغيرهم . وهنا تجدر الإشارة إلى البعثة الدينية المؤلفة من عشرة من وجوه التابعين التي أرسلها الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى القيروان بقصد تفقيه البربر وإرشادهم إلى شرائع الإسلام وتعاليمه العالية ، فما كان من هؤلاء المرشدين إلا أن اختطّ كل واحد منهم دارا لسكناه ، وبنى بحذائها مسجدا لعبادته ومجالسه ، واتخذ بقربه كتّابا لتحفيظ القرآن وتلقين مبادئ العربية لصغار أطفال البلد . حكى غياث بن أبي شبيب قال : " كان سفيان بن وهب - صاحب رسول اللّه - يمر علينا ونحن غلمة بالقيروان ، فيسلّم علينا في الكتّاب وعليه عمامة قد أرخاها من خلفه " " 2 " ولا يخفى أن دخول سفيان بن وهب إلى إفريقية كان خلال سنة 78 ه - 697 م - في خلافة عبد الملك بن مروان ، فيستفاد من سياق هذا الخبر أنه لم يمض ربع قرن على تأسيس القيروان حتى وجد بها كتاتيب كثيرة للتعليم . وحكى الدبّاغ - نقلا عن الرقيق : " أن عبد اللّه بن غانم الرعيني - قاضي القيروان سنة 171 ه ( 787 م ) دخل عليه يوما ولد صغير له من الكتّاب ، فسأله عن سورته ، فقال : حوّلني المعلّم من سورة ( الحمد ) فقال له : اقرأها ، فقرأها ، فقال له : تهجئها ، فتهجأها ، فقال له أبوه : ارفع ذلك المقعد ، فرفعه فإذا تحته دنانير دون العشرين وفوق العشرة ، فقال له : ارفعها إلى مؤدبك ، فرفعها إليه ، فأنكرها المعلم على

--> ( 1 ) البيان المغرب لابن العذاري 1 / 27 [ 1 : 42 ] . ( 2 ) معالم الإيمان 1 : 120 [ 1 : 151 ] .