حسن حسني عبد الوهاب
42
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين
الأمراء والكبراء في إنشاء المدارس وتزويدها بالعدة المناسبة من غرف لسكنى الطلبة ومسجد للصلاة ومكتبات قيّمة موقوفة عليها ، ولا زال غالب هذه المعاهد قائم الذات مع ما اعتورها من التغيير في الوضع والغاية . ومما يعدّ من حسنات الحفصيين عنايتهم بجمع الكتب وفتح أبواب خزائنها الثمينة للخاصة والعامة ، فقد جمع الأمراء الأولون منهم جملة وافرة من المخطوطات في شتى المواضيع خصّصوا لها جناحا منفردا من مباني القصبة كان يقصدها الباحثون والطلاب من كل حدب وصوب ، وهذا علّامتنا ابن خلدون يفيدنا أنه بعد أن وضع أصول مقدمته الخالدة بقلعة ابن سلامة في جبل بني راشد - ببلاد الجزائر - احتاج إلى مراجعة أمهات الكتب فنزل إلى تونس بقصد التزوّد والاستقاء من المكتبة الحفصية بالقصبة . ومن إحصاء أجري على تلك المكتبة - بعد اضطرابات داخلية وثورات متعاقبة كسحت المهمّ منها ، نعلم أن ما بقي من المخطوطات وصل عدده إلى ستة وثلاثين ألفا . ثم قام السلطان ( أبو عمرو عثمان ) وحافده ( أبو عبد اللّه محمد ) من أواخر أمراء الأسرة - بإنشاء مكتبة عمومية في إحدى أروقة جامع الزيتونة ، أطلق عليها اسم ( العبدلية ) وقد حوّلا إليها ما تركته يد الحدثان في قصورهم من المصنفات . ولما تغلب الإسبان على تونس - أواسط القرن العاشر للهجرة - هاجموا الزيتونة وبدّدوا نفائس دررها فذهبت أدراج الرياح ، وقسم ضئيل منها التحق بمكتبة ( الفاتيكان ) برومة ، أهداه إليها بعض الإسبان المغتصبين ، وهي ماثلة هناك إلى يوم الناس هذا . وفي العهد الأخير اعتنى ( أحمد باي الأول ) بالمكتبة الزيتونية فجدّد قواعدها . وقد اقتنى طرائف ثمينة من المصنفات أوقفها عليها ، فأعاد للمكتبة رونقها الغابر . وقلده رجالات الدولة وكثير من أهل الفضل في توسيع نطاقها وتوفير ثروتها ، فعادت إليها نضارتها الأولى ، وهي الآن من مفاخر القطر .