حسن حسني عبد الوهاب

35

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين

II قصة الثقافة التونسية إذا ما اعتنى الباحث بمظاهر الثقافة في سيرها بالبلاد التونسية ، وتتبع خطواتها منذ فجر الحضارة علم أنه من عهد بعيد في التاريخ أدرك الفنيقيون في جولاتهم البحرية طيب مناخ تونس ، فألقوا سفن ترحالهم واستوطنوا سواحلها ، متخذين منها الوطن والمقر ، وأحدثوا بها - بعد دهر وحين - محطهم الأكبر : مدينة " قرطاجنة " وجعلوها أم البلاد . ومن هناك انتشر القرطاجنيون فاتحين ومعمرين ، ومعلمين للشعوب المغربية وللأقوام الأيبارية - سكان إسبانيا - وبثوا بينهم وسائل تمدنية ، وأسباب رقي ، ما بين فلح الأرض ، وتصنيع المعادن ، وإنشاء السفن لخوض عباب البحر . ولا مراء أنهم أول من أدخل غراسة الزيتون المباركة في هذا القطر وفي جميع ممتلكاتهم المغربية ، وهذا ( ماجن - Magon ) أحد شيوخ قرطاجنة يضع للإفريقيين - وربما كان ذلك للعالم أجمع - أقدم كتاب في الزراعة وغرس الأشجار ، ولم يجد الرومان بدّا من نقله إلى لغتهم اللاطينية حينما أخضعوا البلاد ، لإعجابهم بهذا الأثر الفريد ، وافتقارهم إلى تعاليمه . وما كان القرطاجنيون ليرتضوا لأنفسهم أن يكونوا معمّرين للأرض وأصحاب صناعة فحسب بل خصّوا الوعي الفكري بأوفر نصيب ، وشاركوا من تقدمهم في هذه الرسالة البشرية بامتزاجهم الامتزاج القوي بالأفارقة وصاهروهم ولم يستنكفوا من تزويج بناتهم أقيال البربر . ولما بدّد الرومان سلطان القرطاجنيين من إفريقية ، وخلفوهم بها لم يجدوا