حسن حسني عبد الوهاب
372
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين
وعظمت شهرته ، وانتشرت في البلاد بعد ما ناظر الدعاة من شيعة الفاطميين في رقادة عقب استيلائهم على إفريقية حتى مثّله أهل السنّة بالقيروان بأحمد بن حنبل أيام المحنة . وقد دارت بينه وبين الدعاة نحو الأربعين مجلسا حفظ لنا الخشني صورة أربعة منها " * " وقال : " كانت لأبي عثمان مقامات كريمة ، ومواقف شريفة في الدفاع عن الإسلام ، والذب عن السنّة ، ناظر فيها أبا العباس المخطوم - أخا أبي عبد اللّه الشيعي الصنعاني - بملء فيه ، ومنى نفسه مناظرة القرن المساوي ، بل مناظرة المتعزز المتعالي ، لم يتلعثم لجلالة المقام ، ولا أحجم لهيبة السلطان ، ولا خاف ما خيف عليه من سطوة الحدثان . ولقد قال له ابنه عبد اللّه يوما : " اتّق اللّه في نفسك ، ولا تبالغ في مناظرة الرجل . فأجابه : حسبي من له غضبت ، وعن دينه ذببت " . ولولا خوف الإطالة لأثبتنا صورة مجالس المناظرات المذكورة حسبما أوردها الأخباريون المعاصرون له . لكنا نقتصر هنا على إيراد أوّل اجتماع حصل له مع عبيد اللّه المهدي في رقادة . حكى أبو بكر بن اللبّاد صاحب ابن الحدّاد وتلميذه قال : " بينما سعيد بن الحدّاد يوما جالسا إذ أتاه رسول من قبل أبي جعفر البغدادي ( حاجب عبيد اللّه المهدي ) ، فقال له : أحبّ أبو جعفر أن يراك ، قال : فلبست ثيابي ومضيت إلى رقّادة حتى أتيت بابه ، فإذا برجل أجلس لي ينتظرني ، فقال : ادخل فدخلت عليه ، فقال لي ( الحاجب ) : أحب الخليفة أن يجتمع بك ، فقلت له : ها أنا ذا ، وجعل معي من يصحبني ومضى وهو أمامي ، فمضيت مع الرجل حتى أتى بي إلى مكان فأجلسني فيه ، فأنا جالس حتى أتاني رسول ثان غير الذي كنت معه ، فقال : قم يا شيخ ، فقمت فدخلت معه حتى أتيت إلى باب المجلس ، فإذا بعبيد اللّه جالس والبغدادي واقف على رأسه ، فتكلّمت بما حضر لي من الكلام ، فقال لي : اجلس . فجلست فإذا بكتاب لطيف إلى جانبه على مخدة فرأيته وقد أومى إلى أبي جعفر فقال له : اعرض الكتاب على الشيخ ، قال : فرمقته ببصري وعرفت الكتاب ، قال : تصفح ، وجعل يده على بعض الصفحة وأنا انظر إلى الإسناد ، فقال لي أبو جعفر : اقرأ ، فقلت له : عرفت
--> ( * ) طبقات علماء إفريقية للخشني ص 199 وما بعدها .