حسن حسني عبد الوهاب
32
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين
العنصري فيها ، ومتى لقحت بالعوامل والمؤثرات الخارجة عن محيطها ، وظهر ما يسمونه " بالفساد الاجتماعي " - وهو الاختمار بعينه - انبرت لليقظة والنهوض بفعل النواميس الطبيعية العاملة على بقاء الأصلح والأنسب . وبديهي أن عظمة الأمم المعروفة بالسيطرة والهيمنة على العالم هي أثر طبيعي لما مرّ عليها في الأعصار المختلفة من الأحداث والصروف المملوءة بالمفارقات : فالحروب ، والتغالب ، والامتزاج ، والاختلاط ، وتعاقب الحكومات ، هو أصل أولي في تكوين الشعوب الضخمة ، والمدنيات الراسخة التي لا تنقرض مشاهدها في العالم . عرف هذا القطر بسكّانه الأصليين من البربر ، وهم ( الأفر - Afer ) الذين أورثوا اسمهم البلاد التونسية ، فعرفت ( بإفريقية ) بل أورثوه قارة كاملة هي الربع المعمور من الدنيا . وقد فزع أولا الفنيقيون إلى تونس ، فالرومان ، فالوندال ، فالروم البيزنطيون ، فالعرب ، فالإسبان ، فالترك ثم الإفرنج ، وكانت هذه الأمم الفاتحة تفد عليه تباعا حاملة ثمرات كدّها ، ونتائج سعيها ، وأصول نظاماتها ، وصور تشكيلاتها ، وطرائق معائشها ، وأنواع فنونها ، وصنوف لغاتها . وكانت بمجرد توطّنها واستقرارها تنشر لقاحها فيمن حولها من السكان - بقصد أو بغير قصد - ثم إنها لا تلبث أن تنعزل عن أرومتها ، وتتحول عن صبغتها الأولى ، وتندمج في العنصرية التونسية الخالدة ! . وهكذا تسنى ( لتونس ) ابتلاع المتغلبين على أمرها ، وهضمهم جميعا ، وجعلهم تونسيين ! . من يستطيع إنكار فضل هذا الامتزاج على التونسيين ؟ وقد أحدث فيهم ذكاء فطريا نقلوا به وطنهم من طور الجمود والضمور إلى طور النباهة ومنافسة المتغلبين في الصفات والنعوت ، ومزاحمتهم في استخدام الوسائل والوسائط للاستثمار والاستمتاع بمصالح البلاد ومنافعها . فقد اقتبسنا من القرطاجنيين : الملاحة ، والتجارة ، والمقايضة ، وفلح الأرض ، وغراسة الأشجار .