حسن حسني عبد الوهاب
250
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين
حدّث نصر بن خالد السوسي ، قال : عطش الناس بصفاقس وغافق ( * ) وأجدبوا سنة ونزل بهم الجهد فأتوا إلى أبي خارجة فقالوا : نزل بنا القحط والعطش فاستسق لنا ؟ فقال لهم : اتوا غدا بصبيانكم وبناتكم وبهائمكم ، وبيّتوا الصّيام اللّيلة فإذا كان اللّيل فقفوا بين يدي ربّكم وتضرّعوا إليه واعرضوا أعمالكم عليه فإنه يرقّ لحالكم ، ففعل الناس ذلك . واجتمعوا من كل مكان من الغد . وخرج بهم أبو خارجة فصلّى بهم صلاة الاستسقاء . ثم خطب . ثم جلس إلى صلاة الظهر ، وقد اشتدّ الحرّ عليهم فصاح الأطفال والبهائم من شدّة العطش ، فقام أبو خارجة وصلّى بهم الظهر . ثم بسط كفّيه وقال : " أنت مولانا ما لنا غيرك ولا سواك ، وأنت ذو رحمة واسعة ، وأنت العالم بأحوالنا وقبيح أعمالنا ، قامت بك آمالنا ، وقد جثونا بين يديك ، بهائمنا جائعة ، وأرضنا سوداء يابسة ، وقلوبنا خائفة عابسة ، وبيوتنا فارغة ، وسماؤك عامرة ، وخزائنك واسعة ، فاسقنا سقية نافعة ، تجدّد الإيمان في قلوبنا ، ولا نبرح من بين يدي كريم حتى يسقينا ، وسيلتنا إليك نبيئنا الذي جعلته رحمة لنا " . ولأبي خارجة أقوال كثيرة مأثورة في معنى الحكمة والوعظ ، كقوله : " ثلاث من أعلام الإحسان : كظم الغيظ ، وحفظ الغيب ، وستر العيب " ومن كلامه : أحبّ الأمور إلى اللّه سبحانه أسمحها وأسهلها " . ومن آثاره بناء مسجد عظيم قرب صفاقس ولعلّه كان بغافق فيه نحو عشرين سارية كبيرة . وتوفّي أبو خارجة في رباط ينقه في شهر ربيع الآخر سنة 210 3 وهو ابن ستة وثمانين عاما . وضريحه هناك إلى الآن معروف مزار عليه قبّة جميلة .
--> ( * ) غافق يظهر أنها محلّة صغيرة من إنشاءات العرب كانت بناحية صفاقس 4 وفي تسميتها دليل على أن سكانها كانوا من الأجناد المنتسبين إلى قبيلة غافق الذين منهم أبو خارجة صاحب الترجمة .