حسن حسني عبد الوهاب
231
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين
حتى يلحقك بمن لا غنى لك عن صحبته ومرافقته ، وما التوفيق إلّا باللّه عليه توكلت وإليه أنيب ، فقد أدركت زمانا أميتت فيه السنّة ، وأظهرت فيه البدعة ، وعز فيه أشرار كثير من هذه الأمّة ، فإنا للّه وإنا إليه راجعون مما تلقى من أهل زمانك كأن الذي خوّفوه لا يقع بهم أو كأن الذي حلّ بغيرهم لا يرونه ، وقد قال عزّ وجلّ : فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( الأنعام : 43 ) . وعهدت بلادنا بالحصار ، والقتل ، والفساد ، وقال تعالى : أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ( النحل : 45 ، 46 ، 47 ) . أسأل اللّه العظيم الرؤوف الرحيم أن يلحقنا وإياك بالصالحين . " لا تزال تصلنا بكتاب فيه بعض ما ينفع اللّه عزّ وجلّ به من الحكم التي ليس يعد لها كثير من عرض الدنيا ، فإن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال : ما من هدية يهديها المرء إلى أخيه خير له من كلمة حكمة ينفعه اللّه عزّ وجلّ بها في دينه ، وقال اللّه تعالى : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ( الزخرف : 67 ) . " فاغتنم بقية عمرك وأحسن إلى جلسائك ، فمن رأيت الأدب ينفعه فتفقّد مجالسته ، ومن رأيته منهم يتكلّم بلسانه وهواه في الغيبة ، يراها أفضل رغبته ، فعاوده رجاء رجعته ، فلعلّه ينتفع بالحكمة فإن لم تزجره الموعظة فدع إخاءه ولا تستوحش إلى مجالسته ، والسلام عليك ورحمة اللّه " . أوردنا هذا الكتاب على طوله كنموذج من تحرير علماء ذلك العصر وزهّاده . وله غير ذلك من الرسائل الوعظية . وتوفّي رباح في خلال عام 172 ه وهو ابن ثمان وثلاثين سنة ، وازدحم الناس على نعشه ، فقال روح بن حاتم أمير إفريقية : " ازدحموا على عمله ولا تزدحموا على نعشه " . وصلّى عليه روح ، ودفن في مقبرة باب سلم جوار قبر البهلول بن راشد 4 .