السيد محسن الأمين
83
أعيان الشيعة ( الملاحق )
كانت عبادة الأصنام هي الاعتقاد المذكور المتفرع عنه تلك الأفعال أو تلك الأفعال المتفرعة عن الاعتقاد المذكور أو هما معا فقياس حال المسلمين بهم قياس فاسد وجهل محض كما علم مما مر في الرد على ابن عبد الوهاب ( فالمشركون ) كذبوا الرسول ( ص ) وأنكروا ما جاء به ومنهم من قال عيسى هو الله ( والمسلمون ) أقروا بالله وبرسوله وبكل ما جاء به فكيف يقاس أحدهما بالآخر ويجعل مساويا له هل هذا الا الضلال نعوذ بالله منه ( والمشركون ) اعتقدوا في أحجار وأشجار وجمادات لا تضر ولا تنفع ولا تعقل ولا تسمع ولا تغيث ولا تشفع سواء كانت صور صالحين أو غيرهم فالشافع الصالح لا صورته أنها تضر وتنفع وتغيث وتشفع فتشفعوا واستغاثوا بها وعظموها ولم يجعل الله لها شيئا من ذلك بل نهى عن التشفع والاستغاثة بها وتعظيمها ( والمسلمون ) اعتقدوا ان الأنبياء والصالحين ينفعون بدعائهم وشفاعتهم احياء وأمواتا كما نصت عليه أحكام دينهم وأدلته التي ستعرفها والتي أثبتت لهم الشفاعة والدعاء ويضرون بترك ذلك وبالبعد عن نيل بركتهم وهو اعتقاد صحيح مطابق لأدلة الدين الإسلامي فطلبوا منهم ما جعله الله لهم من دعائه والشفاعة لديه ( والمشركون ) عظموا ما لا يستحق التعظيم سواء كان صورة صالح متوهمة أو غيره فان الصورة لا تستحق تعظيما فإنها ان كانت مجسمة فعملها حرام واتلافها واجب وان كانت غير مجسمة فعملها حرام أو مكروه واتلافها واجب أو مستحب وطافوا وتبركوا بما لم يجعله الله مباركا ( والمسلمون ) عظموا من امر الله بتعظيمه حيا وميتا وجعله معظما من الأنبياء والصالحين وقبورهم وطافوا وتمسحوا وتبركوا بها لتشرفها بأجسادهم الشريفة كما تشرف الجلد المعمول للمصحف فهل يسوي بين هؤلاء وهؤلاء الا جاهل مضل أو معاند ( والمشركون ) عبدوا تلك الأحجار والأشجار بأنواع العبادات التي نهاهم الله تعالى عنها فسجدوا لها وذبحوا ونحروا لها مهلين بأسمائها على ذبائحهم دون اسم الله تعالى وطلوها بدمائها واعرضوا عن عبادة الله بالكلية وقالوا لا قدرة لنا على عبادته فنحن نعبدها لتقربنا اليه واعتقدوا ان لها شرفا ذاتيا واستحقاقا للعبادة بالاستقلال واختيارا وتدبيرا وكانوا يقولون ( اعل هبل ) قاصدين أن تكون كلمة الأصنام ودين الجاهلية هي العليا وكلمة الله ودين الإسلام هي السفلى فأجابهم النبي ( ص ) بقوله ( الله أعلى وأجل ) فأعرضوا عن ذكر الله واكتفوا بذكرها وكذبوا الرسل الذين نهوهم عن عبادتها ولم يكتفوا بذلك بل بدلوا دين الله وغيروا أحكامه ومنهم من عبد الملائكة وسماهم بنات الله ( والمسلمون ) لم يعبدوا نبيا ولا صالحا ولا قبره بل عبدوا الله وحده فلم يسجدوا لقبر ولا لولي ولم يذبحوا له ولم يذكروا اسمه على ذبيحتهم بل ذبحوا لله وحده وذكروا اسمه على المذبوح واهدوا ثواب الصدقة بالذبيحة اليه فهل يسوي بين عمل المسلمين هذا وعمل المشركين الا جاهل أو مكابر ( وسيأتي ) لهذا مزيد توضيح في الباب الثالث ومر في رد كلام ابن عبد الوهاب في هذا الباب ما له علاقة بالمقام فراجع ومن ذلك يظهر فساد استشهاده بآية ( إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ) وان المسلمين بتشفعهم وتبركهم وتعظيمهم لمن جعله الله شافعا مباركا عظيما لم يسووه برب العالمين ( قوله ) ومنهم من كان يعبد الملائكة ويناديهم عند الشدائد . قد عرفت في رد كلام ابن عبد الوهاب ان عبادتهم للملائكة لم تكن مجرد التوسل والتشفع الذي يقع مثله من المسلمين فلا نطيل بإعادته ( قوله ) وان لا يدعوا مع الله أحدا ستعرف في فصل الدعاء ان المنهي عنه ليس هو ما يقع من المسلمين من 83 طلب الشفاعة وان آية لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ لا دلالة فيها على شيء مما يزعمونه ( قوله ) كما عرف من علم البيان ان تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر . كيف ذكر ما قاله علماء البيان هنا ونسي ما قالوه في باب المجاز العقلي من أن قول أنبت الربيع البقل إذا صدر من المسلم كان مجازا عقليا من باب الاسناد إلى الزمان وإذا قاله الدهري كان حقيقة ولم يعمل به في طلب المسلمين من النبي أو الولي عافية المريض أو قدوم الغائب ونحو ذلك فيجعله مجازا عقليا من باب الاسناد إلى السبب وقرينته ظهور حال المسلم كما جعل أهل البيان أنبت الربيع البقل مجازا عقليا وقرينته صدوره من مسلم بل كفر به المسلمين واستحل أموالهم ودماءهم ( قوله ) فاعتقدوا انهم يضرون وينفعون تقدم الكلام على مثله آنفا فراجع ( قوله ) ويقربون إلى الله ويشفعون عنده . نعم يقربون إلى الله بدعائهم لنا ويشفعون لنا عنده ودعاء المؤمن لأخيه فضلا عن النبي والشفاعة لا ينكرهما الوهابية كما ستعرف أما الأحجار والأشجار فليست لها هذه الصفة فبطل القياس ( قوله ) فدعوهم إلى قوله وتمسحوا بها سيأتي الكلام عليها مفصلا في الفصول الآتية ( إن شاء الله ) وباقي كلامه يفهم رده مما مر ( قوله ) فجعل اتخاذهم للشفعاء شركا سيأتي الكلام عليه مفصلا في فصل الشفاعة وان هذه الدعوى محض افتراء على الله تعالى وان اتخاذ الشفعاء الذين جعل الله لهم الشفاعة كنبينا ( ص ) هو عين إطاعة الله تعالى وان جعله شركا من أعظم الموبقات وأقبح الافتراءات عليه تعالى وكذا بقية كلامه الذي من هذا القبيل ( قوله ) والأسماء لا تغير المعاني ( نعم ) لا تغيرها فتسمية الوهابية الأنبياء والأولياء وقبورهم ومشاهدهم أوثانا لا تجعلها أوثانا وتسميتهم طاعة الله وما امر به من تعظيم أوليائه والتشفع بهم شركا لا تجعله شركا وتسمية أنفسهم الموحدين لا تجعلهم كذلك بعد ما نسبوا إلى الله التجسيم ولوازم الحدوث . وقياسه تسمية القبر مشهدا والرجل وليا بمن يسمي الخمر نبيذا والشجرة المنهي عنها شجرة الخلد والحشيشة لقمة الراحة والظلم أدبا قياس فاسد وجهل محض فالمسلمون سموا محل القبر مشهدا بكرم صاحبه على الله ومكانته عنده وشرفه لديه باخلاصه له في العبودية وتشرفه بجسده تشرف الأديم والورق والمداد بكلام الله تعالى وسموا من أخلص لله في العبودية والطاعة وليا كما سماه الله تعالى بقوله : ( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الآية . أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) وغير ذلك . نعم قد يطلق اسم الولي على من لا يستحق ذلك لكونه معتوها أو مشعوذا أو مع كونه جاهلا أو فاسقا ولكن هذا لا يوجب أن يكون إطلاقه على أهله خطا وإثما ( وكون ) بعض الناس قد يعتقد في فسقة الأحياء وجهالهم لا يوجب فساد اعتقادهم في شفاعة الأنبياء والأولياء وطلب دعائهم ( أما استدلاله ) على كون ما يسمى مشهدا أو وليا هو وثن وصنم بأنهم يعاملونها معاملة المشركين للأصنام ويطوفون بهم طواف الحجاج بالبيت ويستلمونهم استلامهم لأركانه فيظهر فساده مما ستعرف في الفصول الآتية فان طوافهم بقبورهم واستلامهم لها تبركا بها وبمن فيها لمكانتهم عند الله وشرفهم عنده باخلاصهم له في العبودية وبذلهم أنفسهم في طاعته هو طاعة لله الذي جعلهم مباركين وميزهم عن عباده كما ميز البيت وأركانه وشرفها بالطواف والاستلام وهي أحجار وجماد لا تضر ولا تنفع ولا تعقل ولا تسمع ومن ذلك تعرف انه لم يعامل أحد الأنبياء والأولياء وقبورهم معاملة الأصنام بل عاملوهم بما امر الله أن يعاملوهم به وان هتافهم بهم لطلب