السيد محسن الأمين
72
أعيان الشيعة ( الملاحق )
وقتنا بأمرين ( أحدهما ) ان الأولين لا يشركون الا في الرخاء وأما في الشدة فيخلصون لله ( وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ . أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ . وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ( إلى قوله ) ( قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ . وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) ( الثاني ) ان الأولين يدعون مع الله أناسا مقربين نبيا أو ملكا ويدعون أشجارا وأحجارا مطيعة ليست عاصية وأهل زماننا يدعون مع الله أناسا من أفسق الناس يحكون عنهم الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك . وقريب من ذلك ما حكي عن محمود شكري الآلوسي في تاريخ نجد انه حكاه عن ابن عبد الوهاب ولعله لخصه وانتخبه من مجموع كلماته فانا لم نجده بهذه العبارات في كتبه المطبوعة . قال بعد ذكر الآيات الدالة على توحيد الله والرد على المشركين الذين يعبدون مع الله آلهة أخرى والشرك المراد بهذه الآيات ونحوها يدخل فيه شرك عباد القبور وعباد الأنبياء والملائكة والصالحين فان هذا هو شرك جاهلية العرب الذين بعث فيهم عبد الله ورسوله محمد ( ص ) فإنهم كانوا يدعونها ويلجئون إليها ويسألونها على وجه التوسل بجاهها وشفاعتها لتقربهم إلى الله زلفى كما حكى ذلك الله عنهم بقوله تعالى : ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ الآية . وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى ) وغيرها من الآيات . ومعلوم ان المشركين لم يزعموا ان الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة شاركوا الله في خلق السماوات والأرض واستقلوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد ولو في خلق ذرة من الذرات قال تعالى : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ) فهم معترفون بهذا مقرون به لا ينازعون فيه ولذلك حسن موقع الاستفهام وقامت الحجة بما أقروا به من هذه الجمل ومجرد الإتيان بلفظ الشهادة من غير علم بمعناها ولا عمل بمقتضاها لا يكون به المكلف مسلما بل هو حجة على ابن آدم خلافا لمن زعم أن الايمان مجرد الإقرار كالكرامية ومجرد التصديق كالجهمية وقد أكذب الله المنافقين فيما أتوا به وزعموه من الشهادة وسجل على كذبهم مع أنهم أتوا بألفاظ مؤكدة بأنواع التأكيدات قال تعالى : ( إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ) فاكدوا بلفظ الشهادة وان واللام والجملة الاسمية فأكذبهم وأكد تكذيبهم بمثل ما أكدوا به شهادتهم سواء بسواء وزاد التصريح باللقب الشنيع وبهذا تعلم أن مسمى الإذعان لا بد فيه من الصدق والعمل ومن شهد ان لا إله إلا الله وعبد غيره فلا شهادة له وان صلى وزكى وصام قال تعالى : ( أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ) الآية ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ) الآية انتهى . ( والجواب ) . اما اجمالا . فان جعله ما يصدر من المسلمين في حق الأنبياء من الاستغاثة بهم وطلب شفاعتهم الذي مرجعه إلى طلب الدعاء منهم 72 والنذر والذبح لله والتصدق به وإهداء الثواب إليهم الذي توهم انه نذر وذبح لهم وتعظيمهم وتعظيم قبورهم والتبرك بها وغير ذلك عبادة لهم ولقبورهم كعبادة الأصنام خطا وغلط فإنه ليس المراد من العبادة التي لا تصلح لغير الله وتوجب الشرك والكفر إذا وقعت لغيره مطلق التعظيم والخضوع كما مر مفصلا في المقدمات بل عبادة خاصة لم يصدر شيء منها من أحد من المسلمين ( وأما تفصيلا ) فقوله في رسالة أربع القواعد ان الذين قاتلهم رسول الله ( ص ) مقرون بان الله هو الخالق الرازق المدبر وان ذلك لم يدخلهم في الإسلام ( فنقول ) لم يدخلهم في الإسلام لأنهم يكذبون رسول الله ( ص ) مع ظهور المعجزات على يديه الدالة على صدقه ويقولون أنه ساحر كذاب وينكرون جميع شرائعه ويدينون بدين الجاهلية وهذا كاف في كفرهم سواء تشفعوا بالأصنام وعبدوها أو لا فكيف يقاس بهم ويجعل مساويا لهم من يؤمن بالله وبرسوله وبان جميع ما جاء به من عند الله حق لأنه يتشفع إلى الله تعالى بمن جعله شافعا ومشفعا ويتوسل اليه بمن جعل له الوسيلة سبحانك اللهم ما هذا التمويه والتضليل وليس موجب كفرهم تشفعهم بالأنبياء والصالحين كما زعم واستدلاله على ذلك بالآيتين واضح الفساد كما يأتي في الفصل الثاني من الباب الثالث ( قوله ) انه ( ص ) ظهر على قوم متفرقين في عبادتهم فقاتلهم ولم يفرق بينهم . نعم لم يفرق بينهم لاشتراكهم جميعا في تكذيبه وانكار نبوته ورد ما جاء به من عند ربه والتمسك بأديان آبائهم الفاسدة وهؤلاء لا فرق بين ان يعبدوا ملكا أو نبيا أو صنما أو كوكبا أو لا يعبدوا وانما يتم لابن عبد الوهاب ما أراد لو كان بعضهم آمن بالنبي ( ص ) وصدق بجميع ما جاء به ولكنه بقي يتشفع إلى الله بنبي أو صالح فقاتله النبي ( ص ) ولم يفرق بينه وبين من يعبد الحجر والشجر والشمس والقمر وانى له بذلك . ( اما قوله ) في كشف الشبهات ان الله تعالى أرسل محمدا ( ص ) إلى قوم يتعبدون ويحجون ويتصدقون لكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله فيظهر فساده من وجوه ( الأول ) انهم كانوا يتعبدون ولكن كانت عبادتهم كما أخبر الله تعالى عنها بقوله : ( وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً ) المكاء التصفير والتصدية التصفيق ( في الكشاف ) كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء وهم مشبكون بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون انتهى . كانوا يتعبدون فيسجدون للأصنام التي نهى الله عن السجود لها ويقربون لها القرابين ويهلون عليها بأسمائها ويطلونها بدمائها هذه كانت عبادتهم ويحجون ولكنهم أحدثوا في الحج بدعا وقبائح كثيرة ( منها ) انهم كانوا يطوفون عراة رجالا ونساء وعوراتهم بادية يتقربون إلى الله بذلك . وقصة المرأة التي ألزموها بذلك وكانت جميلة ففعلت واجتمع أهل مكة للنظر إليها فطافت عارية ويدها على فرجها وهي تقول : اليوم يبدو بعضه أو كله * فما بدا منه فلا أحله مشهورة فهؤلاء الذين انحصر كفرهم وشركهم في تشفعهم بالصالحين عند ابن عبد الوهاب ( ويتصدقون ) مع تكذيبهم الرسل فما تنفعهم صدقاتهم ( ويذكرون الله ) أحيانا ان صح ذلك وفي غالب أحوالهم أو كلها يعرضون عن ذكر الله ويذكرون أسماء أصنامهم كما كانوا يقولون ( أعل هبل ) وكانوا يذكرون أسماءها على ذبائحهم دون اسم الله وما أدري لم لم يقل ابن عبد الوهاب ويصلون ويزكون ولا يزنون ولا ينكحون ما نكح آباؤهم ولا