السيد محسن الأمين

55

أعيان الشيعة ( الملاحق )

كالاجتهادات والأخبار التي يستند إليها الوهابية في تكفير المسلمين ولا يجوز تكفير المسلم الا بشيء قطعي يوجب خروجه عن دين الإسلام وكانت سيرة النبي ( ص ) والصحابة والتابعين وتابعي التابعين معاملة الناس على الاكتفاء بإظهار الشهادتين والالتزام باحكام الإسلام ( اخرج ) البخاري عنه ( ص ) أمرت ان أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا حرمت علينا دماؤهم وأموالهم ( وعنه ص ) أمرت ان أقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا إله إلا الله محمد رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فان فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله ( وعنه ص ) من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله ( وعن أبي هريرة ) انه ( ص ) اتي بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء فقال ما بال هذا قالوا يتشبه بالنساء فنفاه إلى البقيع فقيل يا رسول الله ألا تقتله فقال نهيت عن قتل المصلين ( فيستفاد ) من هذه الأخبار انه بعد إظهار الشهادتين يبنى على الإسلام ما لم يعلم شيء ينافيه ولا يلزم التفتيش والتجسس بل نهى الله تعالى عنه ولسنا نقول إن المقر بالشهادتين الذي يصلي ويزكي لا يمكن الحكم بكفره مع ذلك لجواز ان يحكم بكفره مع ذلك كله كالخوارج والمجسمة ومنكر الضروري وغير ذلك لكنا نقول الإقرار بالشهادتين والتزام أحكام الإسلام كاف في الحكم بالإسلام حتى يثبت ما ينافيه باليقين والقطع لا بالاجتهادات الظنية والأخبار الظنية وحتى ينتفي احتمال التأويل وما كفر به الوهابية المسلمين لم تجتمع فيه هذه الشروط . الثالث عشر القول أو الفعل الصادر من المسلم وله وجهان على أحدهما يكون صحيحا وعلى الآخر فاسدا يجب حمله على الوجه الصحيح ولا يجوز حمله على الوجه الفاسد الا مع العلم وعلى ذلك سيرة المسلمين وإجماعهم وبه انتظام امر معاشهم ومعاملاتهم مثلا لو رأينا المسلم يضرب يتيما وأمكن ان يكون ضربه له تأديبا وإيذاء وجب حمله على الصحيح ولم تنتقض بذلك عدالته ان كان عدلا وكذا لو رأينا يضاجع امرأة ولم نعلم أنها زوجته أو أجنبية أو يشرب شرابا احمر ولم نعلم أنه خل أو خمر أو سجد ولم نعلم أن سجوده لله أو لمخلوق أو تزوج أو طلق أو باع أو وقف أو نذر أو ذبح ولم نعلم أن ذلك على وجه الصحة أو الفساد وجب حمله على الصحيح الا ان يعلم الفساد ولا يكفي الظن بالفساد فضلا عن الشك ولو صدر من المسلم فعل أو قول وله وجه أو معنى يوجب الارتداد وكان يمكن حمله على وجه أو معنى صحيح لا يوجب الارتداد لا يجوز الحكم بارتداده ووجب حمل فعله على الوجه الصحيح وقوله على المعنى الصحيح ولو كان احتمال قصده لذلك المعنى ضعيفا فضلا عما لو كان ظاهرا أو مساويا في الاحتمال فإذا استغاث مسلم بنبي أو ولي واحتمل أن تكون استغاثته لطلب ان يدعو له ويشفع له إلى الله لم يجز الحكم بارتداده لمجرد احتمال ارادته معنى يوجب الارتداد ( وكذا ) لو قال ارزقني وعاف ولدي وانصرني على عدوي ونحو ذلك واحتمل ارادته طلب ان يكون واسطة وشفيعا فيسأل الله ذلك وان اسناد الفعل اليه من باب اسناده إلى السبب كما في بنى الأمير المدينة لم يجز الحكم بشركه وارتداده فضلا عما لو علم ارادته ذلك أو كان ظاهر حاله ذلك باعتبار انه مسلم يعلم أن هذه الأمور لا يقدر عليها غير الله تعالى . 55 الرابع عشر في تحقيق معنى العبادة . العبادة في اللغة الذل والخضوع ومنه بعير معبد اي مذلل وطريق معبد اي مسلوك مذلل ونقلت في الشرع إلى معنى جديد أو أريد بها معنى خاص من المعاني اللغوية كما نقلت ألفاظ كثيرة غيرها كالصلاة والزكاة والصيام والحج التي كانت في اللغة لمطلق الدعاء والنمو والإمساك والقصد ونقلت في الشرع إلى معان جديدة وذلك لأن الألفاظ اللغوية قد تبقى في الشرع على معانيها القديمة كالبيع والشراء وقد تنقل عنها في الشرع إلى معان جديدة فإذا لم تنقل وجب حملها على معانيها القديمة إذا لم يعلم أنه أريد بها معنى خاص منها سواء وردت في الكتاب أو الخبر أو غيرهما واما إذا نقلت عن المعاني الأولى إلى معان جديدة فلا بد من معرفة تلك المعاني بما ثبت عن الشارع فان عرفت وجب الحمل عليها والا بقيت تلك الألفاظ مجملة وكذا لو علم عدم إرادة المعاني القديمة وأنها استعملت في المعاني الجديدة المحدودة مجازا فلا بد من معرفة تلك المعاني أيضا والا كانت من المجمل المحتاج إلى البيان فالعبادة بمعناها اللغوي الذي هو مطلق الذل والخضوع والانقياد ليست شركا ولا كفرا قطعا والا لزم كفر الناس جميعا من لدن آدم إلى يومنا هذا لأن العبادة بمعنى الطاعة والخضوع لا يخلو منها أحد فيلزم كفر المملوك والزوجة والولد والخادم والأجير والرعية والجنود بإطاعة المولى والزوج والأب والمخدوم والمستأجر والملك والأمراء وجميع الخلق لاطاعة بعضهم بعضا بل كفر الأنبياء لإطاعتهم آباءهم وخضوعهم لهم وقد أوجب الله إطاعة الأبوين وخفض جناح الذل لهما وقال لرسوله ( ص ) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وإطاعة الزوجة لزوجها حتى ورد لو أمرت أحدا بالسجود لأحد لأمرت الزوجة بالسجود لزوجها وأوجب طاعة العبيد لمواليهم وسماهم عبيدا وإطاعة الأنبياء وجعل نبينا ( ص ) أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وأمرنا بإطاعته وإطاعة اولي الأمر منا وقرنها بإطاعته تعالى إلى غير ذلك . ( ثم ) انه ورد في الشرع اطلاق العباد والعبادة على مطلق المطيع والطاعة فورد ان العاصي عبد الشيطان وعبد الهوى ( وقال تعالى ) أَ ف [ فَرَأَيْتَ ] مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ . اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ . مع ما ورد انهم ما صاموا لهم ولا صلوا وانما حرموا عليهم حلالا وأحلوا لهم حراما فاتبعوهم وان الإنسان عبد الشهوات . وان من اصغى إلى ناطق فقد عبده فإن كان ينطق عن الله فقد عبد الله وان كان ينطق عن غير الله فقد عبد غير الله ومن هذا القبيل قول رابعة العدوية : لك ألف معبود مطاع امره * دون الإله وتدعي التوحيدا ولا ريب ان هذه الأمور التي سميت عبادة لا توجب الكفر والارتداد والا لم يسلم منه أحد والضرورة قاضية بخلافه . ( ثم ) ان من جملة العبادة السجود وقد امر الله الملائكة بالسجود لآدم وسجد يعقوب وزوجته وبنوه ليوسف كما أخبر عن ذلك القرآن الكريم فدل على أن السجود ليس في نفسه قبيحا وممنوعا منه موجبا للشرك والكفر وان سمي عبادة والا لم يأمر به الله تعالى وانه ليس مثل اتخاذ الشريك للباري في جميع صفاته فان هذا لا يعقل ان يأمر الله به أو يجيزه ولا يمكن ان لا يكون شركا وكفرا وعلم من ذلك أيضا انه ليس مطلق الخضوع والتعظيم حتى السجود لغير الله قبيحا في نفسه وشركا وكفرا .