السيد محسن الأمين

53

أعيان الشيعة ( الملاحق )

شعائره على عادتهم في التسرع إلى تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وتشددهم في ذلك اقتفاء بالخوارج الذين أشبهوهم من كل الوجوه كما يأتي في المقدمة الثالثة [ السابعة ] ( فقالوا ) في الرسالة الثالثة من رسائل الهدية السنية « 1 » اختلف العلماء في تارك الصلاة في غير جحود لوجوبها فذهب أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه ومالك إلى أنه لا يحكم بكفره واحتجوا بحديث عبادة المتقدم وذهب احمد والشافعي في أحد قوليه وإسحاق بن راهويه وجماعة إلى أنه كافر وحكاه اسحق إجماعا وقال ابن حزم سائر الصحابة والتابعين يكفرون تارك الصلاة مطلقا ويحكمون عليه بالارتداد وعد عشرة من الصحابة ثم قال ولا نعلم لهؤلاء مخالفا من الصحابة ( قال ) وأجابوا عن حديث عبادة ان المراد عدم المحافظة عليهن في أوقاتهن بدليل الآيات والأحاديث الواردة في تركها وأورد جملة مما مر ثم قال إن العلماء مجمعون على قتل تارك الصلاة كسلا الا أبا حنيفة والزهري وداود فقالوا يحبس حتى يموت أو يتوب واحتجوا على قتله بقوله تعالى : ( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ) إلى قوله ( فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ) وبقوله ( ص ) أمرت ان أقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ( الحديث ) ثم ذكر رواية الترمذي ) : أمرت ان أقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله وان يتقبلوا قبلتنا وان يأكلوا ذبيحتنا وان يصلوا صلاتنا ( الحديث ) قال والمقصود فساد هذه الشبهة التي دسها من يدعي انه من العلماء على الجهلة من الناس ان من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله انه مسلم ولا يجوز قتله وان ترك فرائض الإسلام ثم أطال في الاستشهاد بكلام الأجهوري والأذرعي والهيتمي وابن تيمية وغيرهم الدال على أن ترك بعض شعائر الإسلام موجب للمقاتلة كاهل القرية إذا تركوا الأذان أو الجماعة أو صلاة العيد أو غير ذلك وفي جملة ما نقله عن ابن تيمية « 2 » أيما طائفة ممتنعة عن بعض الصلوات المفروضة أو الزكاة أو الصيام أو الحج أو عن التزام تحريم الدماء والأموال « 3 » والخمر والزنا والميسر أو نكاح المحارم أو الجهاد أو ضرب الجزية أو غير ذلك فإنها تقاتل عليها وان كانت مقرة بها ( ونقول ) اما الأحاديث التي أطلق فيها الكفر على جملة من المعاصي فقد عرفت انه لم يرد بها الحقيقة للشواهد التي قدمناها من لزوم لغوية الحدود ورواية عبادة وحديث لا يزني الزاني وهو مؤمن وغيرها اما حمل ترك الصلاة في حديث عبادة على إرادة عدم المحافظة عليها في وقتها فلا شاهد عليه بل هو تخرص على الغيب بخلاف حمل الكفر على تعظيم الذنب فان له نظائر وشواهد كثيرة كما عرفت ولا أقل من وقوع الشبهة فلا يجوز التهجم على الدماء مع وجودها وعدم صراحة النصوص ( ومن الغريب ) ما نقلوه عن إسحاق بن راهويه من حكاية الإجماع مع مخالفة عظماء أئمة المذاهب كأبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه ومالك التي نقلوها في صدر الكلام كاستدلال ابن حزم عليه بقول نفر من الصحابة ان صح النقل عنهم مع عدم العلم بمذهب الباقين وهم ألوف وكقولهم العلماء مجمعون على قتل تارك الصلاة كسلا الا أبا حنيفة والزهري وداود فما فائدة هذا الإجماع مع مخالفة هؤلاء الثلاثة اما الاستدلال بآية ( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ) فغير صحيح لان الإسلام قول باللسان وعمل بالأركان فمن كان مشركا وتشهد الشهادتين ولم يأت باعمال 53 الإسلام لا يحكم بإسلامه بخلاف المسلم الموحد المولود على فطرة الإسلام الملتزم باحكامه الفاعل لها إذا عصى بترك فرض يعتقد بوجوبه ويعلم أنه عاص بتركه فالآية واردة في الأول لا في الثاني وكذلك ما أطالوا به بدون طائل من الاستشهاد بكلام فلان وفلان على أن ترك بعض شعائر الإسلام موجب للقتال لا شاهد فيه على حلية قتل تارك الفرائض كسلا فضلا عن كفره فإنه ان صح جواز القتال على ترك بعض الشعائر حتى المستحبة كالأذان والجماعة لا ربط له بترك الفرض كسلا ( والحاصل ) انه لا يجوز الاقدام والتهجم على دماء المسلمين بأخبار غير ظاهرة وبأقوال الأجهوري والأذرعي والحراني والهيتمي فليتق الله المتهجمون والمتهورون . السابع الإجماع اتفاق أهل الحل والعقد من أمة محمد ( ص ) على امر ديني في عصر من الاعصار وهو حجة ( اما ) لما روي عنه ( ص ) لا تجتمع أمتي على خطا أو لوجود معصوم بينهم بناء على عدم خلو العصر من معصوم كما يقوله أصحابنا وهو رئيس أهل الحل والعقد أو للكشف عن أن ذلك مأخوذ من صاحب الشرع كما يستكشف رأي المتبوع برأي اتباعه الذين لا يصدرون الا عن رأيه فيعلم رأي أبي حنيفة باتفاق الحنفية والشافعي باتفاق الشافعية وغير ذلك ( وفي ) حكم الإجماع سيرة المسلمين والفرق بينهما أن الإجماع اتفاق قولي والسيرة إجماع عملي فيكشف عن أن ذلك مأخوذ عن صاحب الشرع يدا عن يد ويشمله لا تجتمع أمتي على خطا ( والوهابية ) لا ينكرون حجية الإجماع وقد تكرر في كتبهم الاحتجاج به والرد على غيرهم بمخالفته وفي الرسالة الثالثة من رسائل الهدية السنية « 4 » ما نصه والعلماء إذا أجمعوا فاجماعهم حجة لا يجتمعون على ضلالة انتهى ولكن الصنعاني من الوهابية أنكر في رسالته تطهير الاعتقاد إمكان وقوع الإجماع أو إمكان العلم به حيث قال « 5 » بعد ما عرف الإجماع بأنه اتفاق مجتهدي أمة محمد ( ص ) على امر بعد عصره : وعلى ما نحققه فالإجماع وقوعه محال فان الأمة المحمدية قد ملأت الآفاق فعلماؤها لا ينحصرون ولا يتم لأحد معرفة أحوالهم فدعوى الإجماع بعد انتشار الدين وكثرة العلماء دعوى كاذبة كما قاله أئمة التحقيق انتهى وصدر كلامه دال على استحالة وقوعه وعجزه ظاهر في عدم إمكان الاطلاع عليه وكلاهما فاسد فان كثرة العلماء لا تمنع من اتفاقهم لا عقلا ولا نقلا والاطلاع عليه أيضا ممكن وواقع بملاحظة الفتاوى وعمل المسلمين وعدم نقل الخلاف وقرائن أخر فانا نعلم علما ضروريا باتفاق العلماء على أن البنتين لهما الثلثان في الميراث بالفرض إذا انفردن عن الاخوة لا النصف وان لم نشافه جميع العلماء ونطلع على فتاواهم تفصيلا وأمثال ذلك في الشرعيات كثير كما نعلم علما ضروريا بإجماعهم على استحباب زيارة النبي ( ص ) وتعظيم قبره وحجرته ورجحان بنائها والتبرك به وبها وجواز بناء القبور وبناء القباب عليها لاستمرار سيرتهم على ذلك قولا وفعلا من الصدر الأول إلى اليوم وعدم نهي أحد عنه من الصحابة فمن بعدهم قبل الوهابية بل الإنصاف انه ما من مسألة اتفق عليها المسلمون قولا وعملا من جميع المذاهب مثل هذه المسألة

--> ( 1 ) ص 65 . ( 2 ) ص 81 . ( 3 ) هذا ينطبق على الوهابية الممتنعين عن التزام تحريم دماء المسلمين وأموالهم . ( 4 ) ص 65 . ( 5 ) ص 19 .