السيد محسن الأمين

28

أعيان الشيعة ( الملاحق )

وهو يذكر أنه حضر لتهنئته بالملك ، إذ صادف وجوده في دمشق أثناء تتويجه ، كما لا يخفي دفاعه الحماسي عنه ، ومجاهرته بذلك ، حيث تصدى لأحد القادة الفرنسيين حين زاره في منزله بدمشق ، وتعرض للملك فيصل ، فقال له السيد الأمين : إنك ضيف في منزلي ، وحرمة الضيافة وحدها تمسكني عن إهانتك ولكن تأكدوا أن التاريخ لم يسجل أن القوة استطاعت الانتصار على الحق انتصارا أبديا ، ولا بد للعرب في سوريا أن ينتصروا في النهاية بحقهم على قوتكم . « 1 » ولعله بذلك كان مؤمنا بضرورة توحيد العرب واتحاد المسلمين ، على اختلاف مذاهبهم ، ضد المستعمر الأجنبي . . . لذلك جاءت مناصرته للملك فيصل ضد الفرنسيين والإنكليز على السواء ، بالرغم من أن فيصل لم يكن . وذلك عائد ، كما سبق وأشرنا ، إلى المواقف العام الذي وقفه العلماء الشيعة من ضرورة أن يحكم البلاد الإسلامية مسلم بعمومية الإسلام ، لا بخصوصية المذهب ، يتصدى للأجنبي المستعمر . . . شرط أن لا يضطهد هذا الحاكم المسلم المذاهب الإسلامية الأخرى المغايرة لمذهبه ، أو يكفر أهلها . . كما فعلت سلطة آل سعود الوهابية في الحجاز . خاتمة إن من جملة الدوافع التي دفعتنا للبحث في الأفكار والمواقف العملية الاصلاحية التي طرحها السيد محسن الأمين العاملي في حياته المديدة والخصبة ، ( ولد عام 1279 ه 1862 م . . وتوفي عام 1372 ه - 1952 م ) . . هو أن هذا المفكر والمصلح الإسلامي الكبير ، واحد من المصلحين الشيعة ، الذين لم يحظوا بالاهتمام المناسب بهم ، لدى البحث في حركات الإصلاح وأصحابها في العالم الإسلامي ، في العصر الحديث . والواقع أن هذا التاريخ السائد للإصلاح ، جاء متناسبا مع طبيعته النظرية وموقعه من الحكم ، في كثير من الأحيان . ففي الوقت الذي كانت فيه الاصلاحية الشيعية ، إصلاحية عملية في طابعها العام ولم تهتم بما فيه الكفاية ، بالطابع النظري ، اهتم الفقهاء السنة بتأسيس وتطوير نظرية للدولة ، والسلطة ، فظهرت لديهم كتب الأحكام السلطانية في عهد مبكر ، يرقى إلى أواسط القرن الخامس للهجرة ، الحادي عشر للميلاد ، « 2 » ووضعت الفتاوى والاجتهادات والقواعد والأسس ، التي يستلزمها قيام دولة إسلامية في عهد مبكر جدا كذلك . ولعل السبب في ذلك عائد إلى كون الفقه السني ، في اتجاهه التاريخي العام ، نشا وتطور ممسكا بزمام جزء من السلطة السياسية الفعلية ، على امتداد العهود الإسلامية المختلفة . . . في حين بقي رجال الدين الشيعة خارج هذه السلطة الرسمية السائدة ، وبالتالي ، خضعوا في سلوكهم ، وأفكارهم ، إلى هذا الموقع الخارج . . . . 28 وحيث أنه ، ليس في الأصول الإسلامية الأساسية ، من تعارض بين الفقيه والسياسي ، « 3 » وأن التعارض الذي حاول البعض أن يراه بين الإسلام الثقافي والإسلام السياسي إنما هو تعارض مفتعل شبيه بالتعارض الذي افترضه آخرون بين الغرب السياسي والغرب الثقافي . . « 4 » لذلك وجدنا من الأهمية بمكان أن نبحث في الأسس الفكرية الاصلاحية ، وكيفية تحققها في مواقف عملية محددة ، لدى إصلاحي إسلامي شيعي ظهر في النصف الأول من القرن الحالي ، هو السيد محسن الأمين . إن هذه المواقف الاصلاحية العملية لدى السيد الأمين ، كانت مرتبطة باساس عقيدي ، ما في ذلك ريب ، وقد تجلت في الأمور التالية التي أفضنا في بحثها على قدر الوسع ، وهي : - إصلاح الطقس الكربلائي . - الجهد التعليمي والتربوي . - تنقية العقيدة ومحاربة الخرافات والأوهام . - العمل السياسي والوطني . وبالرغم من كل شيء ، يبدو جوهر الإصلاح لدى السيد محسن الأمين ، في مجمله ، جوهرا هادئا في النظرية والسلوك معا . نعني بذلك أن السيد الأمين ابتعد في منهجه الاصلاحي عن العنف النظري والسلوكي الذي اتسمت به دعوات إصلاحية إسلامية أخرى كالوهابية مثلا ، حيث كان محمد بن عبد الوهاب يمثل فيها الإسلام المسلح ، مقتربا أكثر فأكثر من نهج آخر هادئ في الإصلاح يركز على العامل التعليمي والتربوي في إعادة صياغة الإنسان المسلم ، متقاطعا في ذلك مع مصلحين إسلاميين آخرين ، يأتي في مقدمتهم الشيخ محمد عبده الذي كان يبدي إعجابه به . وقد بذلنا ، في بحثنا هذا ، وفي سبيل الوصول إلى النتائج والفرضيات التي وصلنا إليها ، ما وسعنا من جهد ، راجين أن يعتبر هذا العمل الضئيل المتواضع ، جزء من محاولة كشف النقاب ، عن أفكار ومواقف مصلح إسلامي كبير ، لم ينل ما يستحقه من البحث والاهتمام .

--> ( 1 ) المصدر نفسه ص 221 . ( 2 ) من أوائل هذه الكتب ، كتاب الأحكام السلطانية للفقيه الشافعي الماوردي المتوفى سنة 450 للهجرة 1058 م . كذلك كتاب الأحكام السلطانية للفقيه الحنبلي أبي يعلى المتوفى سنة 458 للهجرة - 1065 م . ( 3 ) شمس الدين ، محمد مهدي العلمانية ط 1 - دار التوجيه الإسلامي - بيروت - الكويت - 1400 ه - 1980 م ص 164 . ( 4 ) كان لدى محمد عبده ورشيد رضا انفصام في النظرة إلى الغرب . . حيث كانا يميزان بين الغرب الثقافي والفكري ويدعوان اليه ، والغرب السياسي الإمبريالي الذي بالإمكان . . تلافيه . . انظر : كوثراني ، وجيه مختارات سياسية من مجلة المنار - مر سابقا . ص 18 ، 19 ، 21 ، 22 ، 25 ، 26 .