السيد محسن الأمين
312
أعيان الشيعة ( الملاحق )
علمنا أن الله تعالى لا يبدو له شيء بعد ان كان خفيا عنه لاستلزامه الجهل والله منزه عنه وكما لزم حمل الآيات المذكورة والخبر المذكور على ما لا ينافي نزاهته تعالى أو ايكال علمه اليه كذلك يلزم حمل البداء الوارد في بعض الأخبار على معنى لا ينافي نزاهته تعالى وهو مناسب للفظ البداء كل المناسبة بان يراد بالبداء الإظهار بعد الإخفاء لا الظهور بعد الخفاء . ومعناه ان يظن حدوث شيء في الكون لسبب من الأساب [ الأسباب ] ثم يفعل الله تعالى ما يبطل هذا الظن ولما كان هذا شبيها بالبداء أطلق عليه لفظ البداء مجازا فالبداء نسخ في التكوين كما أن النسخ المعروف نسخ في التشريع فكما انه تعالى يحكم حكما من الأحكام من وجوب أو تحريم أم غيرهما يكون ظاهره الاستمرار بحيث لو لم ينسخ لكان مستمرا ولا يصرح باستمراره وإلا لكان نسخه مناقضا لذلك ولا بتحديده بزمان وإلا لكان توقيتا لا نسخا ثم ينسخه فيكون الناسخ قرينة على أن هذا الظهور غير مراد وان الحكم كان في الواقع محدودا لكنه لم يظهر تحديده لمصلحة اقتضت ذلك فالنسخ انما هو للظهور لا نسخ للحكم في الواقع لأن النسخ معناه الإزالة فإن كان الحكم مستمرا في علم الله واقعا إلى الأبد كان نسخه محالا للزوم التناقض أو الجهل بتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد فمع كون المصلحة توجب الاستمرار لا يجوز النسخ ومع كونها لا توجبه لا يجوز الحكم بالاستمرار إلا من الجاهل وان كان في الواقع محدود إلى حين النسخ لم يكن ذلك نسخا إذ لا إزالة هنا ولذلك قال بعض الفرق من غير المسلمين باستحالة النسخ وكذلك قد يظهر من بعض الأمارات حدوث شيء في الكون ثم يظهر بطلان ذلك فيعبر عنه بالبداء مجازا لشبهه بمن كان يريد فعل شيء ثم بدا له ان يفعل خلافه مثل ما ورد في حق الكاظم ع انه بدا لله في شانه فإنه كان يظن أن الامام بعد الصادق هو ابنه إسماعيل لأنه أكبر ولده والإمامة للأكبر بحسب النص فلما توفي إسماعيل في حياة أبيه ظهر انه ليس بإمام فالله تعالى أظهر بموته بطلان ما كان يظن من إمامته وعبر عن ذلك بالبداء مجازا . ونظير ذلك ما يحكى ان عيسى ع أخبر بموت عروس ليلة زفافها فوجدت في الصباح غير ميتة وتحت فراشها حية وعلم أنها تصدقت بصدقة تلك الليلة فدفع الله عنها الموت وهذه كان قد قدر الله عمرها إلى ليلة زفافها وكان اخبار عيسى ع بناء على ما علمه من ذلك التقدير وكان مشروطا بعدم التصدق وكان الله تعالى يعلم بأنها ستتصدق ولا تموت وعيسى ع يجهل ذلك وهذا هو المحو والإثبات الوارد في الكتاب العزيز يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ فلا محو إلا بعد إثبات كما اعترف به في وشيعته فلا بد من حمل المحو على محو ما ثبت ظاهرا . لا ما ثبت واقعا والا لزم نسبة ما لا يليق اليه تعالى وهذا هو معنى البداء المجازي .