السيد محسن الأمين
291
أعيان الشيعة ( الملاحق )
الحجة فذلك حين قال النبي ( ص ) ألا وان الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم . أراد ان الأشهر الحرم عادت إلى مواضعها وعاد الحج إلى ذي الحجة وبطل النسيء اه . وفي تفسير الرازي ان القوم علموا انهم لو رتبوا حسابهم على السنة القمرية فإنه يقع حجهم تارة في الصيف وتارة في الشتاء وكان يشق عليهم الأسفار ولم ينتفعوا بها في المرابحات والتجارات لأن سائر الناس في سائر البلاد ما كانوا يحضرون إلا في الأوقات اللائقة الموافقة فعلموا ان بناء الأمر على رعاية السنة القمرية يخل بمصالح الدنيا فتركوا ذلك واعتبروا السنة شمسية ولما كانت السنة الشمسية زائدة على السنة القمرية بمقدار معين احتاجوا إلى الكبيسة وحصل لهم بسبب تلك الكبيسة أمران هما جعل بعض السنين ثلاثة عشر شهرا وانتقال الحج من بعض الشهور القمرية إلى غيره فكان الحج يقع في بعض السنين في ذي الحجة وبعده في المحرم وبعده في صفر وهكذا في الدور حتى ينتهي بعد مرة مخصوصة مرة أخرى فحصل بسبب الكبيسة هذان الأمران الزيادة في عدة الشهور وتأخير الحرمة الحاصلة لشهر إلى غيره ثم قال واما المفسرون فإنهم ذكروا في سبب هذا التأخير وجها آخر فقالوا ان العرب كانت تحرم الشهور الأربعة وكان ذلك شريعة ثابتة من زمان إبراهيم وإسماعيل ع وكانت العرب أصحاب حروب وغارات فشق عليهم ان يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغزون فيها وقالوا إن توالت ثلاثة أشهر حرم لا نصيب فيها شيئا لنهلكن وكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيحرمونه ويستحلون المحرم . قال الواحدي وأكثر العلماء ان هذا التأخير ما كان يختص بشهر واحد بل كان ذلك حاصلا في كل الشهور وهذا القول عندنا هو الصحيح على ما قررناه اه . يعني انهم كانوا إذا أخروا المحرم إلى صفر أخروا صفر إلى ربيع وهكذا حتى ينتهي بعد مدة إلى ذي الحجة ونظامه عند العرب في الجاهلية الذي يدور عليه حساب السنين هو هذا الذي نقله الواحدي عن أكثر العلماء . وسنو عمر النبي ( ص ) لم تكن تعد على وفق النسيء بحيث تخالف عدد الشهور نعم ذكروا في سيرته ( ص ) انه حملت به أمه أيام التشريق من ذي الحجة وولد في ربيع الأول فإن كان ربيع تلك السنة كان حمله أقل من ستة أشهر ولا يكون الحمل أقل من ستة أشهر بنص القرآن وان كان ربيع السنة القابلة كانت مرة حملت أكثر من سنة وهو خلاف ما اتفق عليه فقهاء أهل البيت ورواياتهم من أن أقصى مرة الحمل سنة وأجيب باحتمال ان يكون ذلك محمولا على النسيء بان يكون ذو الحجة الذي حملت فيه هو شهر آخر غير ذي الحجة لأجل النسيء ولعله يريد هذا . اما عند من قال بجواز تأخر الحمل أكثر من سنة بل سنين فلا يجيء هذا إشكال . واما ما ذكره من أن في الوافي ان حساب الشهور كان عند الأئمة روميا فهو يشير إلى ما في الوافي ج 5 ص 45 عن الفقيه والتهذيب عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله ع أنه قال تزول الشمس في النصف من حزيران على نصف قدم وفي النصف من تموز على قدم ونصف وفي النصف من آب على قدمين ونصف وفي النصف من أيلول على ثلاثة أقدام ونصف وفي النصف من تشرين الأول على خمسة ونصف وفي النصف من تشرين الآخر على سبعة ونصف وفي النصف من كانون الأول على تسعة ونصف وفي النصف من كانون الآخر على سبعة ونصف وفي النصف من شباط على خمسة ونصف وفي النصف من آذار على ثلاثة ونصف وفي النصف من نيسان على قدمين ونصف وفي النصف من أيار على قدم ونصف وفي النصف من حزيران على نصف قدم اه . قال 291 صاحب الوافي : هذا الحديث يبين اختلاف الظل الباقي عند الزوال بحسب الأزمنة كما أشرنا اليه سابقا والظاهر أنه مختص بالعراق وما قاربها كما قاله بعض علمائنا اه . وغير خفي ان حساب زوال الشمس وتقديره بالاقدام لا يتم إلا على الحساب الشمسي الرومي للشهور لا على الحساب العربي القمري . وهذا ليس معناه ان حساب الشهور كان عند الأئمة روميا كما لا يخفى ولا يتوهمه من عنده أدنى معرفة حتى يسال عن وجه اتخاذ الأئمة حساب الروم وشهورهم وسنيهم مع أن حساب العرب وتاريخ الهجرة كان عربيا ويجعل ذلك ابتداعا بل هذه فضيلة ومنقبة للإمام الصادق ع وفي تطبيقه معرفة زوال الشمس بالاقدام على الأشهر الرومية التي لا يمكن معرفته وتطبيقه إلا عليها وما ربط هذا بالنسيء وبسني عمر النبي ( ص ) . حجات النبي ( ص ) قال في ص 26 نحن نعلم أن النبي ( ص ) قد حج بعد الهجرة حجة واحدة ويقول الباقر والإمام الصادق ان النبي قد حج بمكة مع قومه عشرين حجة كلها كانت مستترة لأجل النسيء كان في قومه كثرة قبل النبوة فكيف أمكن له الاستتار ولم يكن بعد النبوة فرض الحج بمكة ولم يكن متعبدا بعد النبوة إلا بشرعه فعلى أي شريعة كان يحج وهل كان يحضر في مواسم الحج مع الناس . ( ونقول ) اتفق المسلمون كافة على أنه ( ص ) لم يحج بعد الهجرة إلا حجة واحدة وهي التي تسمى حجة الوداع أو حجة الإسلام . رواه الكليني في الكافي بسنده عن جعفر ع . ( لعله أبي جعفر ) وقال ابن سعد في الطبقات الكبير : قالوا إنه ( ص ) أقام بالمدينة عشر سنين يضحي ولا يحج حتى كان في ذي القعدة سنة عشر من الهجرة فحج حجة الوداع اه . وفي السيرة الحلبية لم يحج ( ص ) من المدينة غيرها قيل لإخراج الكفار الحج عن وقته لأن أهل الجاهلية كانوا يؤخرون الحج في كل عام أحد عشر يوما حتى يدور الدور إلى ثلاث وثلاثين سنة فيعود إلى وقته فلذلك قال عليه الصلاة والسلام في هذه الحجة إلا أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض فان هذه الحجة كانت في السنة التي عاد فيها الحج إلى وقته وكانت سنة عشر . واما حجاته ( ص ) قبل النبوة ففي رواية الكليني السابقة انه حج بمكة مع قومه حجات . وفي رواية الكليني بسنده عن الصادق ع حج رسول الله ( ص ) عشر حجات مستترا في كلها يمر بالمأزمين فينزل فيبول . وفي رواية عشرين حجة روى محمد بن إدريس الحلي في آخر السرائر عن جامع البزنطي عن زرارة سمعت أبا جعفر وأبا عبد الله ع يقولان حج رسول الله ( ص ) عشرين حجة مستترة منها عشر حجج أو قال سبع - الوهم من الراوي - قبل النبوة اه . هذه هي الروايات الواردة في ذلك من طرقنا وليس فيها ان الاستتار كان لأجل النسيء كما قال فيمكن كونه لأجله فان حجهم بسبب النسيء كان يقع في غير أشهر الحج فيحج هو في أشهر الحج مستترا ويمكن انه كان يستتر في بعض اعمال حجه عنهم لأنهم كانوا أهل جاهلية يخالفون الشرع في بعض اعمال الشرع التي منها أنهم كانوا يقفون بجمع وهو مع بقية العرب يقف بعرفة كما يأتي . أما غيرنا فاختلفوا كم حج قبل الهجرة بعد اتفاقهم على أنه لم يحج بعدها إلا حجة واحدة فقيل : حج