السيد محسن الأمين
248
أعيان الشيعة ( الملاحق )
العول العادل الذي وافقت فيه الشيعة نصوص القرآن الكريم وقيدت مطلقاتها بالدليل ودفعت بذلك أشكال فرض سهام لا يسعها المال . وابن عباس لم يكن متحيرا بل كان على بصيرة من أمره ولذلك دعا مخالفة إلى المباهلة فالذي يدعو إلى المباهلة لا يمكن أن يكون متحيرا وإنما المتحير غيره وإنما أورد هذا الاشكال على غيره ممن قال بالعول ولا جواب لهم عنه والأشكال على نفي العول ليس بثابت ولا رأس بل قد دك من الأساس ولم يبق له ذنب ولا رأس وإنما هو ثابت رأس على من قال بالعول من الناس لا يهدمه معول ولا فاس ومن أراد المباهلة باهلناه . والأحكام الشرعية لا تكون بالحدس ولا بالمشاورة والإشارة ولا بعقد المجالس كمجالس الوزراء والنواب لتدبير المملكة إنما هي بنص الشارع وبيانه ولا بعقول الرجال فلو صح ان العباس أشار بالعول كما حكاه ابن عابدين في حاشية الدر المختار بقوله فأشار العباس إلى العول فقال أعيلوا الفرائض فتابعوه على ذلك ولم ينكره أحد إلا ابن عباس بعد موت عمر اه . لم تكن إشارته حجة لأنه ليس بمعصوم وكونه كان انفذ العرب نظرا يرى الأمور من وراء الستور وتحدس بقوله الصحابة كلام مزخرف مزوق ليس تحته معنى فالنبي الذي هو أعظم من العباس وثبتت له العصمة لم يكن يرى الأمور من وراء الستور وكان يتوقف عن الجواب إذا سئل حتى يأتيه الوحي ويجوز أن يكون العباس انفذ العرب نظرا في التجارة وأمور الدنيا أما الأحكام الشرعية فليس فيها نفوذ رأي لأحد حتى الأنبياء إلا بوحي من الله تعالى لا من وراء الستور ولا من قدامها وليس للصحابة أن يحدسوا وجه المسألة بقول العباس أو من هو أعلم منه بل ليس لهم أن يحدسوا وجهها بقول النبي ( ص ) حدسا فان الحدس والظن لا يؤمن معه الخطا وقد نهى الشارع عن اتباعه وليس لهم الحكم إلا بالحس بالسماع من الشارع وظهور اللفظ على قاعدة التخاطب . وقوله لم ينكره أحد إلا ابنه يكذبه أن عليا كان ممن أنكر كما يأتي في المسألة المنبرية والصواب أن المراد بالهيبة هيبة الخوف لا هيبة الإجلال والاحترام كما فسرها فان الإجلال والاحترام لا يمنع مثل ابن عباس من بيان الحق إذ ليس فيه ما ينافي الإجلال والاحترام والإجلال والاحترام لا يزول بالموت فكما يجل الرجل ويحترم في حياته يجل ويحترم بعد موته فكيف سكت في حياته احتراما وبالغ في الإنكار عليه بعد موته حتى دعا إلى المباهلة وكلامه المزوق بان ابن عباس كان في مجلس الإجماع ابن لبون ( إلخ ) يرده أن ابن عباس كان في خلافة الخليفة الثاني كامل العقل والرشد وافر العلم مشهور الفضل معروفا بالفقه وكان يسمى حبر الأمة وترجمان القرآن وكان يقال أن عنده ثلثي علم رسول الله ( ص ) وحديثه وما أثر عنه من الأحاديث في الفقه والتفسير وغيرها ومواقفه في الجدل والخصام معروفة وكان الخليفة الثاني يفاوضه ويناقشه ويحادثه ويقول له غص يا غواص ولو فرض أنه كان ابن لبون فلم تكن البزل القناعيس تستطيع صولته إذا لزت معه في قرن وليس العلم والفقه بكبر السن . وأما أن من عدهم كانوا أعلم منه فلعله كان أعلم من جملة منهم لما مر . ولو سلم فجائز ان يخطئوا ويصيب بعد الاتفاق على عدم العصمة وأفقه الصحابة علي بن أبي طالب فهو الذي كانوا يرجعون إليه ولم يكن يرجع إلى أحد وهو الذي قال فيه عمر لولا علي . قضية ولا . لا عشت لمعضلة . فحشره مع من ذكر وتسويته بهم وتقديم أحدهم عليه ليس بأول ظلم وقع عليه وابن عباس إنما أخذ بطلان العول منه كما ذكرناه مرارا . 248 ولا أعجب من قوله : فانعقد الإجماع وعلي حاضر فحضوره لم يتحقق وهبه حضر فابن عباس مخالف وهو لا يقصر عن جملة منهم علما وفقها ان لم يزد وكيف ينعقد الإجماع بأربعة والصحابة يعدون بالألوف وهب أن الأربعة أفقه الصحابة ففي غيرهم فقهاء أيضا ومن الذي فسر الإجماع باتفاق الأفقه ، وقوله أيضا ولا أرى إلا أن صلة الحدس في سند الإجماع كان نظم القرآن في أول آيات المواريث فستعرف أن فلسفته التي ذكرها في أول آيات المواريث ولم يوافقه عليها أحد في القديم ولا الحديث أوهى وأوهن من بيت العنكبوت فكون هذا الحدس - الذي هو حدس في حدس - صلته تلك الفلسفة يجعله متقطعا بلا صلة ولا عائد . وكون هذا الإجماع المزعوم الموهوم سنده ذلك يجعله بلا سند زيادة على ما هو عليه . والشيعة في العول ذهبت مذهب أئمة أهل البيت الذين أخذوه عن جدهم الرسول ( ص ) والذين اقتدى ابن عباس بسيدهم وأخذ عنه القول بعدم العول . والحديث الذي حكاه عن ابن عباس في أول من أعال الفرائض قد روي من طريق أهل السنة في كتب الحديث لأصحابنا وفي مستدرك الحاكم بما يخالف ما حكاه في عدة مواضع روى المحمدون الثلاثة الصدوق والكليني والشيخ الطوسي بأسانيد عديدة ورواه صاحب المسالك ببعض تلك الأسانيد وصرح بان رجاله من أهل السنة وكلها عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال جالست ابن عباس فعرض ذكر الفرائض في المواريث فقال ابن عباس سبحان الله العظيم أترون الذي احصى رمل عالج عددا جعل في مال نصفا ونصفا وثلثا فهذان النصفان ذهبا بالمال فأين موضع الثلث فقال له زفر بن أوس البصري فمن أول من أعال الفرائض فقال عمر بن الخطاب لما التقت الفرائض عنده ودفع بعضها بعضا فقال والله ما أدري أيكم قدم الله وأيكم اخر وما أجد شيئا هو أوسع من أن اقسم عليكم هذا المال بالحصص فادخل على كل ذي سهم ما ادخل عليه من عول الفرائض وأيم الله لو قدم من قدم الله واخر من اخر الله ما عالت فريضة فقال له زفر وأيها قدم وأيها اخر فقال كل فريضة لم يهبطها عن فريضة الا إلى فريضة فهذا ما قدم الله كالزوج له النصف فإذا دخل عليه ما يزيله عنه رجع عنه إلى الربع لا يزيله عنه شيء ، والزوجة لها الربع فإذا دخل عليها ما يزيلها عنه صارت إلى الثمن لا يزيلها عنه شيء والأم لها الثلث فإذا زالت عنه صارت إلى السدس ولا يزيلها عنه شيء ، واما ما اخر فكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يبق لها الا ما بقي كالبنات والأخوات لها النصف والثلثان فإذا أزالتهن الفرائض عن ذلك لم يكن لهن الا ما بقي فإذا اجتمع ما قدم الله وما اخر بدئ بما قدم الله فاعطي حقه كاملا فإذا بقي شيء كان لمن اخر وان لم يبق شيء فلا شيء له « 1 » فقال زفر فما منعك ان تشير بهذا الرأي على عمر فقال هبته والله وكان امرأ مهيبا فقال الزهري والله لولا انه تقدمه امام عدل كان امره على الورع فامضى امرا فمضى ما اختلف على ابن عباس في العلم اثنان اه . ورواه الحاكم في المستدرك بسنده عن محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال أول من أعال الفرائض عمر وأيم الله لو قدم من قدم الله إلى قوله فلا شيء له . والمذكور في هذه الرواية كما سمعت هبته والله وكان امرأ مهيبا وهو الذي
--> ( 1 ) الظاهر أن الأخير لا مصداق له - المؤلف - .