السيد محسن الأمين
238
أعيان الشيعة ( الملاحق )
يكتمه عمن يقبله من أصحابه واتباعه . وإذا أراد الباقر ان يرد قول الحسن البصري بما ذكره فما اتى الا بواضح البرهان وشاهد القرآن ومن هو وارث علم الأنبياء غيره وغير أهل بيته . وإذا ادعى الباقر ان أكثر المعارف والشرائع لا يوجد الا عنده فحق له ذلك فهو باقر علوم جده الرسول ومفتاح باب مدينة العلم وامام من أمرنا بان نتعلم منهم ولا نعلمهم . وابن من قال سلوني قبل ان تفقدوني . وابن من قال لو ثنيت لي الوسادة . وابن من قيل فيه لولا علي . قضية ولا أبو حسن لها فقد ورث علوم أجداده خلفا عن سلف فهذا الثمر من ذلك الشجر وهذا السيل من ذلك المطر شاء موسى جار الله وأضرابه أو أبوا . وإذا كانت التقية والكتمان لعلمه ممن يخاف شرهم ولا يأمن ضرهم من دينه ودأبه . فما فعل الا ما أوجبه العقل والدين والشرع وما امر به الله ورسوله فزعم موسى جار الله انه موضوع لم يضعه الا جاهل ، هو جهل . وتعليله ذلك بان مؤمن آل فرعون لم يكتم العلم وانما كتم ايمانه وبث علمه تعليل فاسد فهل كان حبيب النجار يظهر انه على دين قوم فرعون فإن لم يكن يظهر ذلك لم يكن قد كتم ايمانه وإذا كان يعلم أن فرعون وكل بني آدم لا يستحق واحد منهم ان يكون إله وان ما عليه فرعون وقومه باطل وكتم ذلك وأظهر خلافه أفليس يكون قد كتم علما وأظهر باطلا وهل يصح ان يقال في حقه انه لم يكتم العلم واما انه بث علمه بما حكته آيات سورة غافر فإنما يكون ردا على من يقول إنه لا يجوز لاحد كتم شيء من علمه خوفا ان يظهر غيره ولو كان لا يخاف من إظهاره أو ان من كتم علما خوفا ثم امن لا يجوز له إظهاره بعد الأمن فمؤمن آل فرعون صرح القرآن الكريم انه كان يكتم ايمانه وكتمان الايمان يلزمه كتمان العلم ثم صرح القرآن بأنه أظهر شيئا من علمه بقوله : ( أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) إلى قوله ( فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ ) وهي الآيات التي حكى الله تعالى فيها قوله لقومه فاما ان يكون خائفا من إظهار ايمانه آمنا من عاقبة ما قاله لقومه أو يكون خائفا أولا ثم امن وعلى كل حال فهو قد كتم ايمانه يقينا وكتمانه كتمان للعلم وبذلك يظهر ان هذا التعليل الذي علل به فاسد عليل وان دعواه ان تلك الآيات ظاهرة في رد ما يدعيه الباقر ودالة على بطلان التقية دلالة قطعية باطلة بطلانا قطعيا ودالة على جهله وسوء أدبه دلالة جلية وكيف يقول هنا انها دالة على بطلان التقية وهو قد قال فيما مر التقية بمعنى وقاية النفس من اللائمة والعقوبة هي من الدين ولكنه لا يبالي بتناقض أقواله . وقوله : الآية الأخيرة نص في أنه ما نجا الا بترك التقية تقول على الله وآياته فليس في الآية الا انه كانت عاقبته ان وقاه الله سيئات ما مكروا اما كون ذلك بسبب التقية فلا تدل عليه بنص ولا ظهور ولا ربط لها بذلك ولا يبعد ان يكون الله تعالى وقاه سيئات ما مكروا باستعماله التقية في أول الأمر بكتمان ايمانه ولو أظهره أولا لقتل ولكنه اتقى فكتم ايمانه وأظهر انه مثلهم فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا . وقوله : لو اتقى لدخل في وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ طريف جدا فهل كان سبب حوق سوء العذاب بال فرعون اتقاؤهم . وقوله : عجيب مستبعد ( إلخ ) هو عجيب لكنه غير مستبعد ان يصدر 238 من هذا الرجل ما لا يمكن صدوره الا من أجهل جاهل بعد ما تكرر منه صدور أمثال ذلك ثم يفتخر بأنه اهتدى إلى ما لم يهتد اليه الإمام الباقر ويقول مؤمن آل فرعون إذ يكتم ايمانه لا يتقي بالكتم بل يقتوي به مع أن الكتم سواء اقتوى به أم لا فهو تقية إذ لو كان لا يخاف فلما ذا يكتم فان قال إنه لا يخاف من القتل لكن يخاف من عدم قبول قوله قلنا هذا نوع من الخوف أظهر خلاف الواقع بسببه والإمام الباقر إذ يكتم بعض علمه المتضمن انه امام من بني أمية وبني العباس لا يتقي بالكتم - ان صح ان لا يسمى ذلك اتقاء - بل يقتوي به إلى اسماع كلماته الناصحة الهادية وبث أحكام جده الصحيحة العادلة حتى ملأ ذلك منه بطون الكتب والدفاتر ولو أظهر كل ما عنده من علم لجميع الناس لكان قولا من عدو يدعوهم إلى خلع طاعة من لا يستحق الخلافة أو ان يظهر في الأرض الفساد فلا يتوقفون عن قتله أو سجنه كما فعلوا بجماعة من أهل بيته فيكون الكتم في مثله اقتواء وليس باتقاء والصواب انه اتقاء واقتواء في آن واحد . فظهر بما تلوناه عليك ان التقية مما قضى به العقل وفعله كافة العقلاء واجازه وامر به النقل حتى في أفظع الأفعال والأقوال وأشنعها وان في تركها مخالفة لقوله تعالى وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وانها نوع من أنواع الضرورات التي تباح لأجلها المحذورات وبذلك تعلم أن جميع ما اتى به سخف باطل ومماحكة ومراء وتعصب وعناد لا نصيب له من الصحة وهو يتلخص في أمور . ( الأول ) ما ذكره في معنى التقية ومحلها وهو لا يفترق عما نقوله شيئا فهو يقول إنها واجبة على كل أحد في حفظ حياته وشرفه وماله وحماية حقه فهل بلغه ان الشيعة تجيز التقية في غير هذه المواضع الأربعة كلا ومن زعم غير ذلك فقد كذب وافترى . ويقول إنها وقاية النفس من اللائمة والعقوبة وانها بهذا المعنى من الدين وهذا هو الذي نقول به والذي أمرنا به أئمتنا لا نحيد عنه قيد شعرة وإذا كانت عنده جائزة في كل شيء فما باله خصصها بغير العبادة والرواية وما دليل هذا التخصيص . ولسنا ندري ما يريد بقوله مكروهة حيث يخاف الالتباس على العوام وفي اي مكان وجده بل هي واجبة عند الضرر حرام عند عدمه لا غير أو مباحة إذا لم يكن فيها إغراء بالجهل ولا ندري مبلغ صحة هذا النقل انها واجبة ومحرمة ومكروهة والذي يظهر انحصارها في واجبة ومحرمة وما حكاه عن الحسن البصري والسرخسي لا يخرج عن التقية التي تقول بها الشيعة وإباء بعض أهل العلم ذلك جمود وجهل ولو ابتلي هذا البعض ببعض ما يسوغ التقية لما توقف عنها ومنع التقية في النقل ما هو الا جهل فلا يجب على الإنسان ان يسلم نفسه للقتل أو ما دونه تجنبا عن نقل كاذب وليس هو بأعظم من إظهار الكفر وشيوع الشبهة ودخولها في الأدلة ممنوع فللشبهة ما يرفعها من أدلة العقل والنقل ولو أسلم فليس بأعظم من شيوع الكفر . ( الثاني ) التقية في الجمع بين الخبرين المتعارضين ، زعم أن الشيعة لها غرام بحيلة التقية شغفها حبا حيلة التقية وفرع عليه انه إذا روى امام حديثا يوافق ما عليه الأمة ترده على أنها تقية . وكذب في عبارته الأولى التي تفاصح بها بالحيلة والحلية فالشيعة اتبعت ما امر الله به في كتابه من التقية وجاءت به سنة رسوله ( ص ) وأوصت به أئمة أهل البيت أحد الثقلين وشركاء القرآن وفعله عامة العقلاء ففعلتها - حيث تفعلها - كارهة لها صابرة على مضضها حسبة لله تعالى حافظة بها دماءها