السيد محسن الأمين

208

أعيان الشيعة ( الملاحق )

راشدة رشيدة ، وان قرن الخلافة الراشدة خير القرون أفكان قتل الامام شر قتلة وترك جنازته جيفة محتقرة من آثار عصمة الأمة ورشدها ورشادها . ( حادي عشر ) قوله : ثبت ان الخليفة استنصر عليا ومعاوية كأنه يريد بذلك ان ينحي باللوم على علي ولكنه أشرك معه معاوية وشتان بين علي ومعاوية في ذلك فعلي نصره جهده ودافع عنه بنفسه وولده ولم يكن متمكنا من دفع القتل عنه ولا من دفنه فان الحاضرين قد منعوا من دفنه حتى دفن بالليل سرا في بعض البساتين . اما معاوية فأرسل جيشا حين استنصره عثمان وأمرهم بالبقاء في وادي القرى فبقوا حتى قتل عثمان ثم جعل ذلك حجة ووسيلة لنيل ما أراد فقام يطالب عليا بثاره . ( ثاني عشر ) كان ما أشار به العباس هو الذي دعاه إلى أن يقول فيما يأتي عند ذكر الشورى : كان العباس انفذ نظرا وأقوى حدسا يرى الأمور من وراء الستور وإذا كان نظر العباس وحدسه كذلك فهو قد رأى أن الخليفة أخذ في أمور يحلف على أن العرب ستسير اليه فتنحره في بيته لأجلها وهو يدل على أن الأمر قد كان متفاقما لا حيلة فيه لعلي ولا لغيره إلا بالاقلاع عن تلك الأمور . ثم لا يخفى ان هذا التعليل الذي علل به العباس لزوم خروج علي من المدينة عليل - ان صح انه قاله - فمعاوية الذي جهد في إلصاق قتل عثمان بعلي - وهو يعلم براءته منه - ليتم له ما أراد لا يصعب عليه ان يقول لعلي خذلته ودسست الرجال ليقتلوه وفارقته وهو محصور لم تدفع عنه فكان خروجه من المدينة أقرب إلى دعوى الخذل وبقاؤه أقرب إلى النصر وقد دافع وحامى جهده وأصلح الأمور بين عثمان والثائرين عليه مرارا ومروان يفسدها ومع ذلك ألصق به معاوية تهمة خذل عثمان . ( ثالث عشر ) ظنه ان عليا كان متمكنا من دفع الفتنة إلى آخر ما قاله حقيق ان يقال فيه : إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ * صدق الله تعالى وهو ينافي ما ذكره سابقا من براءة علي من دم عثمان . والذي نعتقده ونجزم به ان عليا لم يكن متمكنا من دفع الفتنة لا تمام التمكن ولا بعضه وحاشاه ان يتمكن من دفع فتنة كهذه ولا يدفعها وانه لم يعتزل ولم يتهاون زنة ذرة ولكنه كان يصلح الأمور ويفسدها مروان كما مر وقد فصلته كتب التواريخ والآثار ولما حوصر الخليفة لم يكن باستطاعته ان يفعل أكثر مما فعل وليس اعتزاله فتح أبواب الشرور لأنه لم يعتزل ولكن عزله عن الأمور هو الذي فتح أبواب الشرور في عصره وبعده وآثار كل حروبه وشهادة الحسين عدها العدو يوما بيوم بدر وان أظهر انها بيوم قتل الخليفة وشهادة الحسين لم تكن بيد من قتله بل بيد من مكنه ومهد له : سهم أصاب وراميه بذي سلم * من بالعراق لقد أبعدت مرماك قال في صفحة ( س د ) ارتقى علي - وهو اعلم من في زمنه - وأفضل الصحابة بعد الثلاثة - عرش الخلافة بعد ان جعلت شهادة الخليفة كل الأمة الإسلامية هائجة ثائرة ، وبعد ان لم يبق للخلافة من روعة وجلال وللإمام من قول يطاع فاضطرب كل أموره ولم يصف له ثانية من يومه وليله - وامرأة من بني عبس ردت عليه وهو يخطب في منبر الكوفة فقالت ثلاث بلبلن القلوب عليك : رضاك بالقضية وأخذك بالدنية وجزعك عند البلية ، بدوية تجترئ بمثل هذه الكلمات على الامام وهو يخطب في منبر الكوفة ولا ينكر عليها أحد ثم يفحم الامام ويسكت كل ذلك يشهد على اضطراب امره ولم 208 يكن هذا العيب في علي وقد حكى القرآن الكريم أمثاله لأولي العزم من الرسل وإنما هو امر قضاه الله وقدره صرفا للأمر عن أهل البيت به أتى تأويل أنت مني بمنزلة هارون من موسى وبه ينهار ما تقولته الشيعة الإمامية في الأمة . ( ونقول ) : أولا - الصواب انه اعلم الناس بعد ابن عمه كلهم لأنه باب مدينة علمه وكان الصحابة يرجعون اليه ولم يرجع إلى أحد وانه أفضل الصحابة كلهم لامتيازه عنهم في جميع الصفات التي بها يكون استحقاق الفضل وذلك ملحق بالبديهيات لولا التقليد والعناد . ( ثانيا ) ان الأمة كانت هائجة ثائرة في زمن الخليفة نقمة عليه وان شهادته لم تجعل الأمة الإسلامية هائجة ثائرة . ولو كان كذلك لنصرته هذه الأمة - المعصومة عند التركستاني - وقد بقي محصورا مدة طويلة لم ينصره فيها إلا من طولب بدمه وان الذي هيج جماعة من الأمة واثارها على علي بعد مقتل عثمان هو جلوس علي على عرش الخلافة حسدا له وحبا بالإمارة وحطام الدنيا لا شهادة الخليفة فقالت من لها المكانة في الإسلام لما بلغها قتله أيها ذا الإصبع تعني ابن عمها طلحة تتمنى له الخلافة فلما بلغها ان عليا بويع بالخلافة قالت وددت ان هذه انطبقت على هذه - السماء على الأرض - ولم يكن هذا الأمر راجع الطبري وابن الأثير . وخرج أصحاب الجمل إلى البصرة ليهيجوا الناس ويثيروهم على علي بحجة الطلب بدم الخليفة وهيج صاحب الشام أهلها واثارهم على علي بحجة الطلب بدمه وكلهم يعلمون انه بريء من دمه وانهم هم الذين خذلوه وألبوا الناس عليه وان الخلافة لم يبق لها روعة وجلال قبل شهادته وعادت إلى روعتها وجلالها بعد بيعة علي الذي رد على الناس ما كان من القطائع ونشر العدل والمساواة بينهم . وإذا أردت ان تعرف ذلك فانظر إلى صفة دخول علي البصرة في مروج الذهب وان أقواله كانت مطاعة وأصحابه أطوع له من يده واتبع له من ظله وبما ذا قاد الجيوش الجرارة لحرب الجمل وصفين أبالطاعة أم المعصية ؟ وكان في عسكره اعلام الصحابة وجل المهاجرين والأنصار ووجوههم واستوسقت له الأمور واستقامت وصفت لولا الناكثون والقاسطون والمارقون . نقول هذا لابطال ما يريد ان يرتبه على كلامه من أن اضطراب امره لأن الله صرف الأمر عن أهل البيت . ( ثالثا ) استشهاده بكلام المرأة العبسية التي يظهر انها من الخوارج - ان صح ذلك - لا شاهد فيه وهو من السخافة بمكان وان دل على شيء فإنما يدل على حلمه لا سيما عن النساء وكذلك سكوت أصحابه كان ترفعا وتأدبا . وقوله ثم يفحم الامام ويسكت مما يضحك الثكلى فالافحام الإتيان بما يعجز المخاطب عن جوابه كقول تلك المرأة للخليفة حين أعلن عن رد الزيادة في المهر إلى بيت المال فردت عليه بآية وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فقال كل الناس أفقه منك حتى المخدرات اما هذه فجوابها واضح لكل أحد . وقوله بدوية تصغيرا لأمرها مع أن المرأة العربية سواء أكانت بدوية أم حضرية تجترئ وتبين عن مرادها ببلاغة وفصاحة . وقوله تجترئ بمثل هذه الكلمات تعظيما للأمر وليس في هذه الكلمات ما يوجب ذلك لكنه أراد بالتصغير والتعظيم زيادة الإيهام في اضطراب الأمر وهو كما عرفت والله تعالى لم يصرف الأمر عن أهل البيت بل جعله لهم وجعله حقهم دون غيرهم وإنما صرفه عنهم الناس ولم يضرهم ذلك ولم يعبهم فهم أئمة الخلق ان قاموا وان قعدوا وان ظهروا وان استتروا وان تكلموا وان سكتوا وستعرف ان حديث المنزلة لا مساس له بذلك وانه دال على الإمامة بأوضح دلالة والشيعة الإمامة [ الامامية ]