السيد محسن الأمين

15

أعيان الشيعة ( الملاحق )

وأسلوب أمين الريحاني الانتقادي التعليمي في رحلاته الحديثة . لكن السيد الأمين ، حين يكتب في الفقه أو في الأصول ، فإنه يتبع أسلوبا تعليميا استدلاليا دقيقا هو من صلب التقليد الفقهي في الصياغة . وذلك لأنه ، في هذا الموضوع ، مجتهد ومرجع مقلد . إنه يورد التعريف الدقيق للمسألة ، بالكلمات المقتضية ، والدلالة القصيرة المباشرة . فيقدم تحديدا للقضايا . . ويظهر ذلك جليا في رسالته الدر الثمين في أهم ما يجب معرفته على المسلمين التي وضعها لتكون مرجعه الاجتهادي لمقلديه من الشيعة . وقد وضعها بصيغة السؤال والجواب . فهو ، مثلا ، في الكلام على أصول الدين ، يورد السؤال والجواب التاليين : س 3 : ما هو الدين الذي يجب على الناس أن يدينوا به . ج : هو الإسلام . س 4 : ما هو الإسلام . ج : الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ص والالتزام باحكام الشرع . . . كما يورد في باب الكلام على التوحيد هذا السؤال ، والجواب عليه س 1 : ما معنى التوحيد . ج : هو الاعتراف بوجود الخالق تعالى وأنه واحد ليس له شريك . نلاحظ إذن ، في هذه الأمثلة ، الدقة في التعريف ، والاقتصاد في التعبير وهما صفتان أساسيتان في الأسلوب العلمي التعليمي . أسلوب المجتهد المقلد في رسالته . لكنه في مواقع أخرى من مؤلفاته ، لا سيما تلك التي يغلب عليها طابع الجدل والردود والنقود على حد تعبيره ، فإنه يفيض ويستطرد ويدخل في مناقشات طويلة كما نلاحظ في ردوده على الوهابية أو في نقاشه الطويل لآراء موسى جار الله التركستاني في كتابه ( نقض الوشيعة ) أو في رده على الشيخ رشيد رضا صاحب مجلة المنار وما ورد في مجلته بحق الشيعة ، وذلك في رسالته المسماة الحصون المنيعة في رد ما أورده صاحب المنار في حق الشيعة . قد يكون سبب هذه المجادلات الطويلة ( سنة - شيعة ) التي أوردها السيد الأمين في أكثر من موضع ، وموقفه الصلب العنيف في النقاش ، عائدا أصلا إلى أسلوب التجني الاستفزازي الذي سبق واستعمله من حاورهم السيد الأمين في الرأي ، حين أوردوا أفكارهم حول بعض معتقدات الشيعة ، لا سيما حين صدر هذه الأفكار ، لا عن جهل بالمذهب الشيعي ، بل عن تجاهل له وغرض فيه ، مصدره العصبية العمياء وغرضه طمس الحقيقة . وقد ذكر السيد الأمين جزءا كبيرا من ذلك ، في أسباب تأليف أعيان الشيعة وذلك ليعرف الناظر في كتابنا هذا حقيقة ما هم عليه ( أي الشيعة ) فان التحامل كاد أن يطمس كثيرا من حقائق أحوالهم . . ثم يفند آراء كثير من الكتاب ، قدماء ومحدثين ، لم ينصفوا الشيعة في كتابتهم . فابن حزم ، مثلا ، في كتابه الفصل مع ما أظهره من بذاءة اللسان وسوء القول والتحامل العظيم على أهل البيت وشيعتهم . . خلط مقالة الإمامية بمقالة الغالية والمجسمة وتبعه على ذلك الشهرستاني في الملل والنحل . كما فند آراء صاحب كتاب حاضر العالم الإسلامي الأمريكي لوثروب تودارد 15 الذي علق عليه شكيب أرسلان . وفند كلام أحمد أمين في ضحى الإسلام وافتراءاته بحق الشيعة ، وذلك بعد أن كثرت الافتراءات على الشيعة ، ورميهم بسوء القول ، ونسبتهم إلى الكذب والابتداع ، بل أعظم من ذلك . وإذا ذكرهم مؤلف من غيرهم ، فقلما يذكرهم إلا بأوصاف الذم والألقاب المستكرهة مع الإطلاق والتعميم . يأتي دفاع السيد الأمين عن الشيعة ، وكأنه محاولة منه لادخال في الإسلام ، بعد أن حاول غيره إخراجه منه ، بسبب التعصب والتقليد أو ما يسميه هو بالسياسة ، ، حسب رأيه ، فرع على الإسلام . والفرع لا يزيد عن أصله ، ولا يتقدم عليه . وما كان السيد الأمين ، بحاجة إلى ذكر هذا الكلام ، لو لم يكن هناك من يحاول إخراج من الإسلام أصلا إلا أنه ، في سبيل ذلك ، يستعمل أحيانا ألفاظ من يناقشهم الرأي ، وتستدرجه حماسته إلى نعتهم بالجهل والتمويه لكن القسوة في نعت من اتهمهم السيد الأمين بالافتراء على الشيعة ، لا تستدرجه في الواقع ، إلى افتراء أو اختلاق مماثل لاختلافهم ، فهو موضوعي في تعامله النقدي مع كافة الآراء التي يناقشها . ثانيا : إصلاح الطقس الكربلائي إن واقعة كربلاء ، هي من الوقائع النادرة ، في التاريخ الإسلامي ، التي تسللت إلى الوجدان الشعبي ، تسللا دؤوبا ومؤثرا ، وحفرت مجراها الدموي العميق ، في هذا الوجدان ، إلى الدرجة التي يمكن فيها اعتبار هذه المواقعة المأساوية ، من أهم مكونات الضمير الجمعي الشيعي في التاريخ . إن بامكاننا أن نلمح روح كربلاء كامنة في الجانب المخفي من أية حركة شيعية شعبية . كما أنها تكمن في الجانب المخفي من مزاج الكثيرين من مؤرخي الشيعة وكتابهم وشعرائهم وثوارهم وعامة الناس منهم . . ويبدو هذا المزاج وكأنه حصيلة أمرين معا : حزن عميق وقهر عميق . فالحزن غائر إلى أعماق كربلاء ، والقهر مركز ومستمر وموصول بالحسين ، مما يمكن أن يؤدي إلى أشكال من الرفض الدموي أو إلى التفجع العنيف الدمو ، أو إلى أشكال أخرى من الانسحاب والكمون والتقية . . مما نلاحظه في السلوك التاريخي للشيعة حسب العصور المختلفة . نحن إذن أمام عقيدة مضطهدة تكون جنينها الأول بمذبحة ، وشكلت على امتداد التاريخ الإسلامي العام ، خطا متعرجا للرفض أو الثورة أو العصيان أو الاحتجاج أو التفجع أو التستر . . إلى آخره . فقد أجمع المؤرخون على أن مصيبة الحسين وكيفية شهادته من أعظم ما صدر في الكون « 1 » في ثلاثة أجزاء ج 1 . ص 6 . لذلك فان جاذبية المأساة الجارفة ، اكتسحت الطبقات العميقة لمخيلة الشعبية الشيعية عبر التاريخ ، وساهمت في تحويل وقائع عاشوراء التاريخية ، التي حدثت في الأيام العشرة الأولى من محرم عام 60 للهجرة . . من حدث تاريخي معين ، إلى فولكلور دموي أسطوري للفجيعة ، يتنامى يوما عن يوم ، ويرسخ حضوره الدموي في المخيلة الشعبية .

--> ( 1 ) الأمين ، محسن . المجالس السنية في مناقب ومصائب العترة النبوية . دار التعارف للمطبوعات - بيروت 1398 ه - 1978 م .