السيد محسن الأمين

155

أعيان الشيعة ( الملاحق )

حيث قال كون الزيارة قربة معلوم من الدين وجاحده محكوم عليه بالكفر ولعل الثاني أقرب إلى الصواب لأن تحريم ما اجمع العلماء فيه بالاستحباب يكون كفرا لأنه فوق تحريم المباح المتفق عليه في هذا الباب انتهى . وقال أحمد بن حجر الهيتمي المكي الشافعي صاحب الصواعق في كتابه الجوهر المنظم في زيارة القبر المكرم على ما حكي عنه وقد ذكره صاحب كشف الظنون قال فيه بعد ما استدل على مشروعية زيارة قبر النبي ( ص ) بعدة أدلة منها الإجماع ما لفظه « 1 » فان قلت كيف تحكي الإجماع على مشروعية الزيارة والسفر إليها وطلبها وابن تيمية من متأخري الحنابلة منكر لمشروعية ذلك كله كما رآه السبكي في خطه وقد أطال ابن تيمية في الاستدلال لذلك بما تمجه الأسماع وتنفر عنه الطباع بل زعم حرمة السفر لها إجماعا وانه لا تقصر فيه الصلاة وان جميع الأحاديث الواردة فيها موضوعة وتبعه بعض من تأخر عنه من أهل مذهبه ( قلت ) من هو ابن تيمية حتى ينظر اليه أو يعول في شيء من أمور الدين عليه وهل هو الا كما قال جماعة من الأئمة الذين تعقبوا كلماته الفاسدة وحججه الكاسدة حتى أظهروا عوار سقطاته وقبائح أوهامه وغلطاته كالعز بن جماعة - عبد اظله الله تعالى وأغواه وألبسه رداء الخزي وأرداه وبوأه من قوة الافتراء والكذب ما أعقبه الهوان وأوجب له الحرمان ولقد تصدى شيخ الإسلام وعالم الأنام المجمع على جلالته واجتهاده وصلاحه وإمامته التقي السبكي قدس الله روحه ونور ضريحه للرد عليه في تصنيف مستقل أفاد فيه وأجاد وأصاب وأوضح بباهر حججه طريق الصواب ( ثم قال ) هذا وما وقع من ابن تيمية مما ذكر وان كان عثرة لا تقال ابدا ومصيبة يستمر شؤمها سرمدا ليس بعجيب فإنه سولت له نفسه وهواه وشيطانه انه ضرب مع المجتهدين بسهم صائب وما دري المحروم انه اتى بأقبح المعائب إذ خالف إجماعهم في مسائل كثيرة وتدارك على أئمتهم سيما الخلفاء الراشدين باعتراضات سخيفة شهيرة حتى تجاوز إلى الجناب الأقدس المنزه سبحانه عن كل نقص والمستحق لكل كمال أنفس فنسب اليه الكبائر والعظائم وخرق سياج عظمته بما أظهره للعامة على المنابر من دعوى الجهة والتجسيم وتضليل من لم يعتقد ذلك من المتقدمين والمتأخرين حتى قام عليه علماء عصره وألزموا السلطان بقتله أو حبسه وقهره فحبسه إلى أن مات وخمدت تلك البدع وزالت تلك الضلالات ثم انتصر له اتباع لم يرفع الله لهم رأسا ولم يظهر لهم جاها ولا بأسا بل ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ . . . ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ انتهى ( اما المنقول ) من فعل الصحابة فسياتي في المبحث الثاني ان عمر لما قدم المدينة من فتوح الشام كان أول ما بدأ بالمسجد وسلم على رسول الله ( ص ) . وفي وفاء الوفا للسمهودي « 2 » روى عبد الرزاق بإسناد صحيح ان ابن عمر كان إذا قدم من سفر اتى قبر النبي ( ص ) فقال السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبتاه ( قال ) وفي الموطأ من رواية يحيى بن يحيى ان ابن عمر كان يقف على قبر النبي ( ص ) فيصلي ( فيسلم ظ ) على النبي ( ص ) وعلى أبي بكر وعمر وعن ابن عون سال رجل نافعا هل كان ابن عمر يسلم على القبر قال نعم لقد رأيته مائة مرة أو أكثر من مائة كان يأتي القبر فيقوم عنده فيقول السلام على النبي السلام على أبي بكر السلام على أبي وفي مسند أبي حنيفة عن ابن عمر من السنة ان تأتي قبر النبي ( ص ) في قبل القبلة وتجعل 155 ظهرك إلى القبلة وتستقبل القبر بوجهك ثم تقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته . أخرجه الحافظ طلحة بن محمد في مسنده عن صالح بن أحمد عن عثمان بن سعيد عن أبي عبد الرحمن المقري عن أبي حنيفة عن نافع عن ابن عمر انتهى ( أما المنقول ) من فعل سائر المسلمين ففي وفاء الوفا « 3 » . ذكر المؤرخون والمحدثون منهم ابن عبد البر والبلاذري وابن عبد ربه ان زياد ابن أبيه أراد الحج فأتاه أبو بكرة أخوه وهو لا يكلمه فاخذ ابنه فأجلسه في حجره ليخاطبه ويسمع زيادا فقال ان أباك فعل وفعل وانه يريد الحج وأم حبيبة زوج النبي ( ص ) هناك فان أذنت له فأعظم بها مصيبة وخيانة لرسول الله ( ص ) وان حجبته فأعظم بها حجة عليه فقال زياد ما تدع النصيحة لأخيك وترك الحج فيما قاله البلاذري وقيل حج ولم يزر من أجل قول أبي بكرة وقيل أراد الدخول عليها فذكر قول أبي بكرة فانصرف وقيل إنها حجبته ( قال السبكي ) والقصة على كل تقدير تشهد لأن زيارة الحاج كانت معهودة من ذلك الوقت والا فكان يمكنه الحج من غير طريق المدينة بل هي أقرب اليه لأنه كان بالعراق ولكن كان إتيان المدينة عندهم امرا لا يترك انتهى ( لا يقال ) نحن نسلم بان إتيان المدينة امر راجح مستحب ولكن بقصد الصلاة في المسجد والزيارة تبع والذي نمنعه إتيانها بقصد الزيارة ( لأنا نقول ) المعروف بين المسلمين من عهد الصحابة إلى اليوم اتيام [ إتيان ] المدينة بقصد الزيارة هذا الذي جرت عليه سيرتهم وعملهم لا يخطر ببالهم غيره ولا يدور في خلدهم سواه واما قصد المسجد وكون الزيارة تبعا فشئ لم يكن يعرفه أحد قبل الوهابية ولو كان لحرمة قصد الزيارة بالسفر أصل في الشرع لشاعت وذاعت وعرفها جميع المسلمين وكانت وصلت إلى حد الضرورة لاحتياج الجميع إلى معرفتها ولكانت قامت بها الخطباء والوعاظ وبينتها العلماء وحذروا الناس منها لئلا يقصدوا بسفرهم الزيارة فيقعوا في الحرام الموجب للعقاب من حيث قصدوا الثواب ولكان بينها أصحاب كتب المناسك الذين لم يهملوا شيئا يتعلق بالحج والزيارة من المستحبات فضلا عن هذا الأمر المهم الموقع في الحرام ( اما المنقول ) عن أئمة المذاهب الأربعة ففي وفاء الوفا « 4 » . بعد ما ذكر اختلاف السلف في أن الأفضل البدأة بالمدينة أو بمكة حكى عن الامام أبي حنيفة ان الأحسن البدأة بمكة وان بدأ بالمدينة جاز فيأتي قريبا من قبر رسول الله ( ص ) فيقوم بين القبر والقبلة انتهى واما ما يحكى عن مالك انه كره ان يقال زرنا قبر النبي ( ص ) فهو على فرض صحته محمول على كراهة التلفظ بهذا اللفظ لبعض الوجوه التي ذكروها مما لا نطيل بنقله لا لكراهة أصل الزيارة مع أن العلماء ناقشوه في كراهة هذا اللفظ كالسبكي وابن رشد على ما في وفاء الوفا وذكر السمهودي في وفاء الوفا « 5 » . أقوال الشافعية في استحباب زيارة النبي ( ص ) ثم قال والحنفية قالوا إن زيارة قبر النبي ( ص ) من أفضل المندوبات والمستحبات بل تقرب من درجة الواجبات قال وكذلك نص عليه المالكية والحنابلة وأوضح السبكي نقولهم في كتابه في الزيارة انتهى . ( الرابع ) دليل العقل فإنه يحكم بحسن تعظيم من عظمه الله تعالى والزيارة نوع من التعظيم وفي تعظيمه ( ص ) بالزيارة وغيرها تعظيم لشعائر الإسلام وارغام لمنكريه وقد ثبت رجحان زيارته ( ص ) في حياته والوصول إلى خدمته فكذلك بعد مماته خصوصا بعد الالتفات إلى ما ورد من حياته البرزخية وقد مضى في فصل التوسل قول مالك امام دار الهجرة للمنصور ان

--> ( 1 ) صفحة 13 طبع عام 1279 بمصر . ( 2 ) صفحة 409 ج 2 . ( 3 ) صفحة 410 ج 2 ( 4 ) صفحة 411 ج 2 ( 5 ) صفحة 415 ج 2