السيد محسن الأمين

11

أعيان الشيعة ( الملاحق )

الاصلاحيين الشيعة ، الذين اهتموا ، إلى جانب مواقفهم العملية ، بالجانب النظري من الإصلاح كما نرى لدى السيد محسن الأمين . ولا يخفى ما كان يبديه جميع الاصلاحيين السنة أمثال محمد عبده من الاعجاب باصلاحي عظيم كان شيعيا هو جمال الدين الأفغاني . كما لا يخفى ما كان يبديه السيد محسن الأمين ، وهو مصلح ، بمعاصره الشيخ محمد عبده ، من الاعجاب . لذلك ، فإننا نرجو أن يأتي كلامنا على النواحي الاصلاحية في فكر وسلوك إصلاحي إسلامي شيعي هو السيد محسن الأمين ، مساهمة منا في الكشف عن مناحي هذا الفكر واتجاهاته ، وفعله في المحيط الذي احتضنه . . في وقت يجب أن يولى فيه هذا المصلح حقه الطبيعي من البحث والاهتمام . أولا : الرجل والنص أ - الرجل : مما يؤثر عن السيد محسن الأمين ، أنه أوصى أن تدفن معه ، في مثواه الأخير ، دواته ومجموعة أقلامه . إن هذه الرغبة المؤثرة لدى الرجل ، تصلح أن تكون المفتاح الأساسي لشخصيته المؤسسة على العلم ، « 1 » كما نظر إليه في تصانيفه ، وكما طبقه في حياته العملية ، فهو يعقد ، في مطلع كتابه معادن الجواهر ونزهة الخواطر فصلا طويلا ( يقع في 65 صفحة ) تحت عنوان : المقدمة . . وفيها أمور الأول في فضل التأليف والعلم . . . معتبرا أن طلب العلم ضرورة وفضيلة ، يدل عليها العقل والنقل عند جميع العقلاء والنقل من الكتاب والسنة . وهو يورد ، في جملة الأحاديث التي تحض على العلم وتوصي به ، هذا الحديث المعبر [ المعتبر ] للإمام الصادق ع : إذا كان يوم القيامة جمع الله الناس في صعيد واحد ، ووضعت الموازين ، فيوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء ، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء . إن السيد محسن الأمين ، ينحدر إلى هذا الموقع العلمي من أصول تاريخية ومعرفية وعائلية ساهمت في بلورة مزاجه الشخصي في الالتصاق بالمحبرة والأقلام ومنحته هذا الموقع المتقدم كمؤلف موسوعي ، فهو ، على حد قول الشيخ أحمد رضا عنه : وريث الجبل العاملي . . الذي ما زال منذ القرون الخالية يطلع على العالم الإسلامي بنوابغ العلماء ومجتهدي الفقهاء الذين أشرقت في أفق الكيان الإسلامي آثارهم الساطعة بنور العلم . إنه ، ومنذ القرن الثامن وحتى القرن الرابع عشر للهجرة ، وريث عدد من 11 العلماء العامليين ، بينهم الشهيد الأول محمد بن مكي الجزيني ، والشهيد الثاني الشيخ زين الدين العاملي الجبعي ، والشيخ الحر العاملي . . الذين كانت مؤلفاتهم مصابيح يشع سناها بمختلف العلوم في أقطار الإسلام والمسلمين . وهو ، إلى جانب هذا الإرث العام العاملي في العلم ، ينحدر من عائلة علمية ، أفرد لها هو بالذات ، في ذكره لنسبه العائلي ، 32 صفحة من كتاب خطط جبل عامل . . فعمه السيد محمد الأمين بن السيد علي الأمين كان له منصب مفتي بلاد بشارة ، كما كان لأبيه من قبله . وتراه حين يتكلم عن جده لأبيه السيد علي بن السيد محمد الأمين ، يورد فيه صفات تكاد تنطبق عليه هو بالذات من حيث الرئاستان الدينية والدنيوية والزهد والورع والتقى والتواضع وعلو النفس ورفعة الهمة والشعر والأدب والهيبة عند الحكام والجرأة عليهم . . على حد تعبيره . كما أنه أخذ العلم عن كوكبة من العلماء والمشايخ الأفاضل ، متنقلا بين قرى جبل عامل ، ومنتقلا بعد ذلك إلى الحوزة الدينية في العراق ، قاضيا أوقاته في التدريس والمطالعة والعزلة عن الناس . فالرجل ، في وجهه العام ، ، عاملي ، يحمل فقه المذهب الشيعي ، وعراقة الجبل العاملي . والواقع أن لرجل الدين عموما كما يتمثل في سيماء وزي السيد محسن الأمين ، شيئا من سيماء النبوة ، أو الأئمة ، كما تصورهم لنا مخيلتنا المدموغة بالدين . فهو ، كما تظهره لنا صورته ( المطبوعة في الصفحات الأولى من معظم كتبه ) : عينان واضحتان يقدح منهما نور غامض ، أو شرر ، تعلوهما عمامة سوداء ، مكورة كنصف هلال ، ثم لحية كثة بيضاء تكمل دورة الهلال . . ويدان تمسكان بمقبض العصا ، كموقع ارتكاز ، وسط جبة واسعة وقفطان . . حتى كان التوازن الهندسي في الصورة ، يرشح من توازن آخر ( إيماني ) خلفها . . أو كان الصورة هنا هي صورة الروح الشيعية في رجل الدين . . فالزي مفصل على الروح لا على الجسد . وإن جاذبية المظهر لدى السيد الأمين ، كانت مقترنة بهيبة خبره ، أيضا ، مما كان يولد في النفوس ، إجلالا خاصا له : يقول الأستاذ جعفر الخليلي صاحب جريدة الهاتف العراقية في مقالة له بعنوان : السيد محسن الأمين يقود معركة الإصلاح . . : . . وجاءت الأخبار تنبئ أن السيد محسن قادم إلى العراق ، فاختلف أنصاره في أمره . . ( وفي استقباله ) . . وإذا به استقبال لم تشهد النجف نظيرا له ، اشترك فيه العلماء والفضلاء والتجار ومختلف الأصناف . ودنا منه الشيخ ( كلو الحبيب ) وهو من وجوه الطبقات المسماة ( بالمشاهدة ) وهي الطبقات التي تمثل النجف بقوة السلاح . . . دنا منه الشيخ كلو الحبيب وترامى على قدميه ثم أخذ يقبل يديه ويقول : لعن الله من غشني ها هو ذا وجهك النوراني يشع بالايمان فاغفر لي سوء ظني فإنما الذنب ذنب أولئك المارقين المغرضين الذين قالوا عنك ما قالوا . « 2 » إن هيبة الخبر ، لدى السيد الأمين ، كانت محصلة خليقته العالية من جهة ، ووقوفه مع الناس في أرضية واقعهم المرير من جهة ثانية . فمن شواهد أخلاقيته أن الآلاف ذهبا كانت ترد عليه فما يمسها ، ويحولها للحال إلى

--> ( 1 ) نعني بالعلم هنا ، مجمل المعارف التي قصد إليها المؤلف بهذا التعبير ، والتي قسمها كما سنرى فيما بعد إلى مراتب بحسب شرف المعلوم . فأشرف العلوم وأعلاها علم معرفة الله تعالى أي علم التوحيد . . ثم علم الفقه ومعرفة الأحاديث . . ثم علم الأصول . . والدراية والرجال والتفسير والنحو والصرف واللغة . . ثم باقي العلوم كالحساب والطب والهندسة وعلم الهيئة والجغرافية والتاريخ وفن الشعر والعروض . . وغير ذلك . . ثم العلوم الراجعة إلى الصناعات وتعلمها فرض كفاية انظر الأمين ، محسن ، في كتابه معادن الجواهر ونزهة الخواطر ط / 1 - دار الزهراء للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت ، لبنان ، 1401 ه - 1981 م الجزء ص ص 40 ، 47 ، 48 ، 49 . ( 2 ) انظر ، الأمين ، محسن . سيرته بقلمه وأقلام آخرين ص 118 .