السيد محسن الأمين
150
أعيان الشيعة ( الملاحق )
عيدا ولا بيوتكم مقابر ثم قال ما أنتم ومن بالأندلس الا سواء . ومع تسليم سند هذا الحديث نقوله لا تتخذوا قبري عيدا لا يخلو من إجمال قال السمهودي : قال الحافظ المنذري يحتمل ان يكون المراد به الحث على كثرة زيارة قبره ( ص ) وان لا يهمل حتى يكون كالعيد الذي لا يأتي في العام الا مرتين قال ويؤيده قوله لا تجعلوا بيوتكم قبورا أي لا تتركوا الصلاة فيها حتى تجعلوها كالقبور التي لا يصلى فيها . قال السبكي ويحتمل لا تتخذوا له وقت مخصوصا ويحتمل لا تتخذوه كالعيد في الزينة والاجتماع وغير ذلك بل لا يؤتى الا للزيارة والسلام والدعاء انتهى ( وروى ) السمهودي في وفاء الوفا ان رجلا كان يأتي كل غداة فيزور قبر النبي ( ص ) ويصلي عليه ويصنع من ذلك ما انتهره عليه علي بن الحسين بن علي ع فقال ما يحملك على هذا قال أحب التسليم علي النبي ( ص ) فقال أخبرني أبي عن جدي ان رسول الله ( ص ) قال لا تجعلوا قبري عيدا الحديث ( قال ) فهذا يبين ان ذلك الرجل زاد في الحد فيكون علي بن الحسن [ الحسين ] موافقا لمالك في كراهة الإكثار من الوقوف بالقبر وليس إنكارا لأصل الزيارة أو انه أراد تعليمه ان السلام يبلغه مع الغيبة لما رآه يتكلف الإكثار من الحضور انتهى واما جعل التذكار لمواليد الأنبياء والأولياء الذي يسميه الوهابية بالأعياد والمواسم بإظهار الفرح والزينة في مثل يوم ولادتهم التي كان نعمة من الله على خلقه وقراءة حديث ولادتهم كما يتعارف قراءة حديث مولد النبي ( ص ) وطلب المنزلة والرفعة من الله لهم وتكرار الصلوات والتسليم على الأنبياء والترحم على الصلحاء فليس فيه مانع عقلي ولا شرعي إذا لم يشتمل على محرم خارجي كغناء أو فساد أو استعمال آلات اللهو أو غير ذلك كما يفعل جميع العقلاء وأهل الملل في مثل أيام ولادة عظمائهم وأنبيائهم وتبوء ملوكهم عروش الملك وكل ذلك نوع من التعظيم الذي ان كان صاحبه أهلا للتعظيم كان طاعة وعبادة لله تعالى وليس كل تعظيم عبادة للمعظم كما بيناه مرارا فقياس ذلك بفعل المشركين مع أصنامهم قياس فاسد . الفصل السادس عشر ( في تزيين المشاهد بالذهب والفضة والمعلقات والحلي ) والكسوة ونحو ذلك وهذا أيضا مما منعه الوهابية ولذلك نهبوا جميع ذخائر الحجرة الشريفة النبوية وجواهرها عند استيلائهم على المدينة المنورة سنة 1221 كما مر في الفصل الثاني في المقدمة الأولى ونقلنا هناك عن تاريخ الجبرتي بيان أنواع الجواهر التي نهبوها من الحجرة الشريفة وقدرها . وقد صوب الجبرتي في تاريخه نهبهم لها وقال انما وضعها ضعفاء العقول من الأغنياء والملوك الأعاجم وغيرهم ثم بين انها لا ينبغي أن تكون للنبي ( ص ) لزهده في الدنيا وانه بعث ليكون نبيا لا ملكا وذكر أحاديث واردة في عرض الدنيا عليه وإبائه ( ص ) وفي زهده وانها ان كانت صدقة فهي محرمة عليه وعلى آله وانها لا نفع فيها مع بقائها على حالها فالأرجح صرفها على المحاويج إلى غير ذلك من التلفيقات ومثله ما يحكى من احتجاج الوهابية على منعها بأنها لغو وعبث وانها مما لا ينتفع به الميت واحتجوا في الرسالة الثالثة من رسائل الهدية السنية على عدم جواز كسوة القبور بان رسول الله ( ص ) نهى ان يزاد عليها غير ترابها وأنتم تزيدون التابوت ولباس الجوخ إلخ وفحاوي كلامهم دالة على أن ذلك كفر وشرك لأنهم يجعلونه مثل ما كان يعمل مع الأصنام ( والجواب ) ان فعل ذلك 150 نوع من تعظيم هذه القبور الشريفة واحترامها التي ثبت رجحان تعظيمها واحترامها من تضاعيف ما تقدم ثبوتا لا شك فيه وتوهم الوهابية ان ذلك شرك وعبادة توهم فاسد لما بيناه مرارا وتكرارا من أنه ليس كل احترام وتعظيم عبادة ودعوى ان ذلك لم يكن في عهد الصحابة والتابعين مدفوع بأنه ليس كلما لم يكن في عهدهم يكون محرما لأصالة الإباحة في كل ما لم ينص الشرع على تحريمه كما قرر في الأصول ولا يخفى ان الأزمان مختلفة والعادات فيها متفاوتة ففي مبدأ الإسلام كانت أحوال المسلمين ضيقة فكانت الحال تقتضي استعمال الملابس الخشنة والمآكل الجشبة وعدم رفع البناء وإتقانه وتزيينه وبناء المساجد باللبن والجذوع وسعف النخل كما بنى النبي ( ص ) مسجده الشريف بالمدينة ولما انتشر الإسلام واتسعت أمور الناس واستعمل الأكثر من الخلفاء أطيب المأكول وأحسن الملبوس واتقن الناس بناء الدور وزينوها كان من الراجح المستحسن إتقان بناء المساجد كما فعله المسلمون واستمروا عليه إلى اليوم ومنها المسجد الشريف النبوي والمسجد الحرام والمسجد الأقصى فان في ذلك إعلاء لشان الإسلام وتعظيما لشعائر الدين ورفعا لمقام بيوت الله تعالى عن أن تكون دون بيوت خلقه وليس لأحد ان يقول بناء مسجده ( ص ) على الحالة التي هو عليها اليوم محرم لأنه لم يكن في زمانه ( ص ) للوجه الذي قدمناه كذلك حجرته الشريفة كانت أولا باللبن والجذوع وجريد النخل ثم بنيت بالحجارة والقصة ثم صار بناؤها يحسن ويزين بحسب اختلاف الأزمان والأحوال لأنه صار تحسينها وتزيينها نوعا من احترامها وتعظيمها ولم يكن الزمان الأول مقتضيا لذلك لما كانت عليه أحوال الناس ودعوى ان ذلك إسراف بلا فائدة لا للميت ولا لغيره يدفعه ان الإسراف ما لا يترتب عليه منفعة والمنفعة هنا حاصلة وهي احترام الميت وتعظيمه وإعزاز الإسلام وتعظيم شعائره وكبت معانديه وغير ذلك من الفوائد العظيمة التي لا يعادلها شيء ويرخص في جنبها كل غال وتصويب الجبرتي نهبهم لها جهل محض فان هذه الذخائر موقوفة لتوضع بالحجرة الشريفة وتكون زينة لها وليست ملكا له ( ع ) ولا صدقة وزهد النبي ( ص ) في الدنيا لا ربط له بالمقام فان قال قائل ان وقفها على الحجرة النبوية غير جائز قلنا بل هو جائز لجريان سيرة المسلمين بل جميع أهل الأديان على ذلك ولأن في وقفها تعظيما لشعائر الدين فلا يكون سفها بل هو امر راجح مطلوب شرعا له فائدة عظيمة ( مع ) انه ثبت ذلك في حق الكعبة المعظمة قبل الإسلام واستمر ذلك بعد الإسلام إلى اليوم فليثبت مثله في حق الحجرة النبوية ومشاهد الأنبياء والأئمة فان العلة في الجميع واحدة والجهة واحدة من دعوى الإسراف واللغوية وعدم الفائدة ( فعن المسعودي ) في مروج الذهب كانت الفرس تهدي إلى الكعبة أموالا وجواهر في الزمان الأول وكان ابن ساسان بن بابك أهدى غزالين من ذهب وجواهر وسيوفا وذهبا كثيرا إلى الكعبة ( وفي مقدمة ابن خلدون ) « 1 » . قد كانت الأمم منذ عهد الجاهلية تعظيم البيت والملوك تبعث اليه بالأموال والذخائر كسرى وغيره وقصة الأسياف وغزالي الذهب الذي وجدهما عبد المطلب حين احتفر زمزم معروفة وقد وجد رسول الله ( ص ) حين افتتح مكة في الجب الذي كان فيها سبعين ألف أوقية من الذهب مما كان الملوك يهدون للبيت فيها ألف ألف دينار مكررة مرتين بماتي قنطار وزنا وقال له علي بن أبي طالب يا رسول الله لو استعنت بهذا المال على حربك فلم يفعل ثم ذكر لأبي بكر فلم يحركه هكذا
--> ( 1 ) صفحة 418