السيد محسن الأمين

138

أعيان الشيعة ( الملاحق )

المحترقة وجعلوا فيها شبابيك وطاقات وأبوابها ( ولما ) وصل الرسول إلى مصر وعلم سلطانها بذلك عظم عليه وامر بتنظيف المسجد واهتم في امر العمارة وأمر بابطال عمائره المكية وبتوجه القيم عليها الأمير سنقر الجمالي صحبة الحاج الأول بما يزيد عن مائة صانع مع كثير من الدواب والجمال وصحبته وصحبة أخيه الشجاعي شاهين والأمير قاسم الفقيه شيخ الحرم الشريف عشرون ألف دينار وشرع السلطان في تجهيز الآلات والمؤن حتى كثرت في الطور وينبع والمدينة الشريفة وجهز شمس الدين بن الزمن متولي العمارة الأولى في ربيع الأول سنة 887 ومعه أكثر من مائتي جمل ومائة دابة وأزيد من ثلاثمائة صانع وشرعوا في الهدم والتعمير فعمروا المسجد وجعلوا على ما يحاذي الحجرة الشريفة وما حوله قبة عظيمة على دعائم بأرض المسجد وعقود من الآجر وهي ( القبة البيضاء ) بدلا عن القبة الزرقاء التي كانت قبل الحريق ( والظاهر أنهم بنوها من الحجر أو الآجر لا من الخشب ) وكانت تلك على رؤوس السواري وجعلوا تلك الدعائم في موازاة الأساطين التي كان بينها درابزين المقصورة وأحدثوا أسطوانا في جانب مثلث الحجرة من بناء عمر بن عبد العزيز ليشتد به العقد الذي عليه القبة في تلك الناحية وزادوا دعامتين وعقدا إلى جانب الأسطوانتين اللتين في جهة الوجه الشريف خشية من سقوط القبة وأبدلوا بعض الأساطين بدعائم وأضافوا إلى بعضها أسطوانة أخرى وعقدوا العقود المتصلة بهذه القبة من المشرق والشام وجعلوها قبوا بدل السقف وأعادوا ترخيم الحجرة الشريفة وما حولها وأزالوا البناء الذي عمله أهل المدينة في موضع المقصورة المستديرة بالحجرة الشريفة وأبدلوا ما يلي القبلة من ذلك بشبابيك من النحاس وبأعلاها شبكة من شريط النحاس كهيئة الزرد وجعلوا لبقيتها مما يلي الشام مشبكا مشاجرا من الحديد وفاصلا عن يمين مثلث الحجرة ويساره فيه بابان وكمل تعمير المسجد في أواخر شهر رمضان عام 888 ثم إن القبة تشققت من أعاليها فرممت ثم تشققت ولم يفد فيها الترميم فأرسل الملك الأشرف - الشجاعي شاهين الجمالي لما اشتمل عليه من الفضل والنبل وإصابة الرأي وفوض اليه النظر في أمرها فورد المدينة الشريفة في موسم عام 891 فاقتضى الحال هدم أعالي القبة فاتخذوا في الطاقات المحيطة بجوانبها سقفا يمنع من سقوط ما يهدم منها إلى ارض الحجرة الشريفة ثم شرع في هدمها وإعادتها بحيث لم يرفع كسوة الحجرة الشريفة فجاءت القبة حسنة مع الإتقان حتى أنه استصحب الجبس من مصر واستعمله في البناء وكملت في عام 892 ثم حكى عن ابن النجار أنه قال ولم يزل الخلفاء من بني العباس ينفذون الأمراء على المدينة الشريفة ويمدونهم بالأموال لتجديد ما ينهدم من المسجد النبوي ( ولا شك ان الحجرة الشريفة وقبتها من جملة ذلك ) فلم يزل ذلك متصلا إلى أيام الناصر لدين الله أي الخليفة في زمنه فإنه ينفذ في كل سنة من الذهب العين الامامي ألف دينار لعمارة المسجد وينفذ من الصناع عدة لكون مادتهم مما يأخذونه من الديوان ببغداد من غير هذه الألف وينفذ من الحديد والرصاص والآلات شيئا كثيرا ( قال ) ولما انتقل امر المدينة الشريفة إلى ملوك مصر لم يزل ملوكها يهتمون بعمارة هذا المسجد الشريف انتهى ما اقتطفناه من كلام السمهودي في وفاء الوفا الذي كان عمل القبة البيضاء بدل الزرقاء في عصره ولم يزل ملوك بني عثمان الذين كانت إليهم الخلافة الإسلامية يبعثون بالأموال الكثيرة لعمارة قبر النبي ( ص ) وحجرته وقبته ومسجده وقد جدد عمارة المسجد والقبة الشريفة 138 النبوية بالبناء المحكم الموجود اليوم منهم السلطان عبد المجيد وابتدأ بذلك سنة 1270 واستمر في تعميره نحو أربع سنين والبناء الذي كان قبله تعمير السلطان قاتباي سلطان مصر وأمر ببناء قبة أئمة البقيع بعين البناء الذي تبنى به قبة جدهم صلى الله عليه وعليهم وسلم فعارض في ذلك أهل المدينة ومنعوا من بناء قبة أئمة البقيع وتغييرها واعتلوا بان حولها قبور آبائهم وأجدادهم ويصيبها ضرر بواسطة الهدم والتعمير كما أنه لما عمل في زماننا شباك لضريحهم الشريف بأصفهان من الفولاذ الدقيق الصنعة وبأعاليه الأسماء الحسنى بالخط الجميل المذهب واستأذنت الدولة الإيرانية من الدولة العثمانية في وضعه على ضريحهم المقدس فأذنت لها ولما جاء به السيد علي القطب رحمه الله إلى جدة عارض أهل المدينة في وضعه على الضرائح المقدسة فبقي في جدة ثلاثة أعوام حتى بذل الإيرانيون مبلغا عظيما من المال لأهل المدينة فرضوا بنقله ووضعه ولما حمل إلى المدينة المنورة أرادوا إزالة الصندوق الخشب الموضوع على القبور الشريفة ووضعه مكانه فمنع أهل المدينة من ذلك بحجة ان الصندوق الخشب وقف لا يجوز تغييره فاضطروا إلى وضعه خارج الصندوق فنقصت ألواحه الفولاذية بسبب ذلك فاضطروا إلى إكماله بقطعة من الخشب بعد دهنها بما يقرب من لونه والكتابة عليها وقد رأيت القطعة الخشبية ظاهرة فيه مقصرة عنه في الرونق عند تشرفي بزيارة المدينة المنورة بعد الحج عام 1321 وبعد ذلك عند تشرفي بزيارتها من دمشق عام 1330 وبقي هذا الشباك حتى ازاله الوهابية عام 1343 حين استيلائهم على المدينة المنورة وهدمهم لقبة أئمة البقيع وقبورهم المقدسة وتشويههم لمحاسن تلك البقعة الشريفة في التاريخ المتقدم وبما بيناه وأوضحناه من أن بناء الحجرة الشريفة كان قبل موت النبي ( ص ) وفهم مما رووه عنه ايصاؤه بدفنه فيها وتتابع الصحابة والتابعون وتابعوهم والمسلمون إلى يومنا هذا في بنائها وبناء القباب عليها ظهر لك بطلان ما ذكره محمد بن إسماعيل اليماني في رسالته تطهير الاعتقاد بقوله : فان قلت هذا قبر رسول الله ص قد عمرت عليه قبة عظيمة أنفقت فيها الأموال ( قلت ) هذا جهل عظيم بحقيقة الحال فان هذه القبة ليس بناؤها منه ( ص ) ولا من أصحابه ولا من تابعيهم وتبع التابعين ولا من علماء أمته وأئمة ملته بل هذه القبة من أبنية بعض ملوك مصر المتأخرين وهو قلاوون الصلاحي المعروف بالملك المنصور في سنة 678 ذكره في تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة فهذه أمور دولية لا دليلية يتبع فيها الآخر الأول انتهى وذلك ان هذه القبة وان بناها قلاوون الصلاحي الا انه تبع في بنائه أصحاب النبي ( ص ) الذين دفنوه في حجرة مبنية ثم بنتها عائشها [ عائشة ] وعمر وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز وتتابع المسلمون في بنائها وفيهم التابعون وتابعوا التابعين وعلماء الأمة وأئمة الملة وكانوا يستشيرون العلماء والأئمة في ذلك بل تكتب إليهم العلماء وتطلب منهم ذلك كما عرفته في تضاعيف ما ذكرناه من تاريخ بناء الحجرة من مبدئه إلى منتهاه وبذلك تعلم أنها أمور دليلية لا دولية كما زعم ( فتحصل ) من مجموع ما ذكرناه ان تعظيم قبر النبي ( ص ) وقبور سائر الأنبياء ببناء القباب عليها وعمل الشباك والكسوة وغير ذلك مما يأتي راجح شرعا لا مانع منه ولا يعد عبادة لها كما توهمه الوهابية لأنها مما أمر الله بتعظيمه فتعظيمها عبادة لله وطاعة له كما بيناه في فصل مطلق تعظيم القبور ( أما ) باقي ما اشتملت عليه الفتوى من اتخاذ القبور مساجد واسراجها والتمسح والطواف بها وتقبيلها