السيد محسن الأمين

127

أعيان الشيعة ( الملاحق )

الذي يأتم بغيره ومع وجود خليفة المسلمين لا ينبغي الائتمام بغيره فلا يقاس بذلك هذا الزمان فظهر بطلان قوله ان الداخلين إلى الحرم كالمارين على المكاسين والقبوريين لوضوح الفرق بين المكس وغيره كما ذكرنا مع أن قياسه البناء على القبور بالمقامات الأربعة أيضا باطل لأن البناء على القبور اتفق على فعله قبل الوهابية جميع طوائف المسلمين بدون استثناء وأما المقامات الأربعة فاختص بفعلها جل طوائف المسلمين لا كلها ( قوله ) فان حسن الظن بالمسلمين أهل الدين والتأويل لهم ما أمكن واجب . إذا كان يعترف بوجوب حسن الظن بالمسلمين والتأويل لهم مهما أمكن فما باله يسيء الظن بهم في استشفاعهم أو استغاثتهم بالأنبياء والصالحين وغيرها ويكفرهم ويشركهم بذلك ويجعل شركهم شركا أصليا ويستحل بذلك دماءهم وأموالهم واعراضهم مع أن التأويل لهم ممكن هين واضح حتى في مثل ارزقني وعاف مريضي بإرادة طلب الشفاعة وسؤال الدعاء كما فصلناه فيما مضى ( كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ) . ثم إنهم في هذه الفتوى المنسوبة لعلماء المدينة عللوا الإجماع بصحة الأحاديث وهو تعليل عليل لأن صحة الحديث في نظرهم ودلالته عندهم وخلوه من المعارض لا توجب ذلك في نظر غيرهم فكيف يدعي الإجماع لدعوى صحة الحديث مع أنك ستعرف عدم صحته وعدم دلالته فان أرادوا ان الإجماع واقع وعلة وقوعه صحة الأحاديث فالعلماء أجمعوا لما رأوا صحة الأحاديث فهو تخرص وتهجم على الغيب بغير دليل وكيف يدعى إجماع العلماء وقد توالت الأحقاب والأجيال على بناء القبور من جميع المسلمين على تفاوت طبقاتهم ونحلهم ومذاهبهم بدون منكر ومعارض الا من شذ ممن سبقته السيرة ولحقته كما عرفت آنفا فلو كان ذلك مجمعا عليه لما وقعت السيرة التي هي أقوى من الإجماع على خلافه ( قولهم ) ولهذا أفتى كثير من العلماء بوجوب هدمه ولم لم يفتوا كلهم بوجوب هدمه ما هذا التناقض والتهافت في هذه الفتوى الواهية ( الثاني ) من أدلتهم حديث أبي الهياج المتكرر ذكره في كلمات الوهابية والمتقدم ذكره في الفتوى المنسوبة لعلماء المدينة ( والجواب ) عنه القدح فيه سندا ومتنا ( اما سنده ) ففيه وكيع وهو مع كثرة ما مدحوه به قال في حقه أحمد بن حنبل انه أخطأ في خمسمائة حديث حكاه الحافظ ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب « 1 » عن عبد الله بن أحمد عن أبيه وقال « 2 » في آخر ترجمته قال محمد بن نصر المروزي كان يحدث باخره من حفظه فيغير ألفاظ الحديث كأنه كان يحدث بالمعنى ولم يكن من أهل اللسان انتهى ( وفي سنده ) سفيان الثوري وهو مع كثرة ما مدحوه به أيضا نقل في حقه ابن حجر في تهذيب التهذيب « 3 » عن ابن المبارك قال حدث سفيان بحديث فجئته وهو يدلسه فلما رآني استحيى وقال نرويه عنك وذكر في ترجمة يحيى القطان « 4 » قال أبو بكر سمعت يحيى يقول جهد الثوري ان يدلس علي رجلا ضعيفا فما أمكنه قال مرة حدثنا أبو سهل عن الشعبي فقلت له أبو سهل محمد بن سالم فقال يا يحيى ما رأيت مثلك لا يذهب عليك شيء ( وفي 127 سنده ) حبيب بن أبي ثابت وهو مع توثيقهم له قال ابن حجر في تهذيب التهذيب « 5 » قال ابن حبان كان مدلسا وقال العقيلي غمزه ابن عون وقال القطان له غير حديث عن عطاء لا يتابع عليه وليست بمحفوظة ( إلى أن قال ) وقال ابن خزيمة في صحيحه كان مدلسا وقال ابن جعفر النحاس كان يقول إذا حدثني رجل عنك بحديث ثم حدثت به عنك كنت صادقا « 6 » قال ونقل العقيلي عن القطان قال حديثه عن عطاء ليس بمحفوظ قال العقيلي وله عن عطاء أحاديث لا يتابع عليها ( وفي سنده ) أبو وائل وهو الأسدي شقيق بن سلمة الكوفي بدليل رواية حبيب بن أبي ثابت عنه فقد ذكره ابن حجر في تهذيب التهذيب انه ممن يروي عنه وليس هو القاص عبد الله بن بحير . وكان أبو وائل هذا منحرفا عن علي ( ع ) مبغضا له وقد قال رسول الله ( ص ) لعلي ( ع ) لا يحبك الا مؤمن ولا يبغضك الا منافق قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة « 7 » ومنهم ( اي المنحرفين عن علي ( ع ) أبو وائل شقيق بن سلمة كان عثمانيا يقع في علي ( ع ) ويقال إنه كان يرى رأي الخوارج ولم يختلف في أنه خرج معهم وانه عاد إلى علي ( ع ) منيبا مقلعا روى خلف بن خليفة قال أبو وائل خرجنا أربعة آلاف فخرج إلينا علي فما زال يكلمنا حتى رجع منا ألفان وروى صاحب كتاب الغارات عن عثمان بن أبي شيبة عن الفضل بن دكين عن سفيان الثوري قال سمعت أبا وائل يقول شهدت صفين وبئس الصفين كانت قال وروى أبو بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود قال كان أبو وائل عثمانيا انتهى ويؤيد انحرافه عن علي ( ع ) ما حكاه ابن حجر في تهذيب التهذيب « 8 » أنه قال عاصم بن بهدلة قيل لأبي وائل أيهما أحب إليك علي أو عثمان قال كان علي أحب إلي ثم صار عثمان انتهى . هذا شان سند الحديث . واما متنه ففيه ( أولا ) انه شاذ انفرد به أبو الهياج بل قال السيوطي في شرح سنن النسائي « 9 » . انه ليس لأبي الهياج في الكتب الا هذا الحديث الواحد انتهى ( ثانيا ) انه لا دلالة فيه على شيء مما زعموه من عدم جواز البناء على القبور بل هو وارد في الأمر بالتسطيح والنهي عن التسنيم فان المشرف وان كان معناه العالي الا ان التسنيم نوع من العلوم أو معنى من معانيه ( ففي القاموس ) الشرف محركة العلو ومن البعير سنامه اه فالمشرف يشمل باطلاقه أو بوضعه العالي بالتسنيم وبغيره الا ان قوله الا سويته قرينة على إرادة التسنيم من الاشراف لأن التسوية التعديل ( ففي المصباح المنير ) استوى المكان اعتدل وسويته عدلته ( وفي القاموس ) سواه جعله سويا اه فقوله الا سويته يعين ان المراد من الاشراف ما يقابل التسوية وليس هو الا التسنيم فان مطلق العلو لا يقابل التسوية لجواز ان يكون عاليا مستويا فلا يناسب مقابلة العالي بالمستوي بل اللازم ان يقوله ألا جعلته لاطئا أو نحو ذلك وإرادة الهدم من التسوية غير صحيحه ولا يساعد عليها عرف ولا لغة لأن التسوية ليس معناها الهدم ولا تستعمل فيه الا بان يقال سويته بالأرض أو

--> ( 1 ) الجزء 11 صفحة 125 . ( 2 ) ج 11 صفحة 130 . ( 3 ) ج 4 صفحة 115 . ( 4 ) ج 11 صفحة 218 طبع الهند . ( 5 ) ج 3 صفحة 179 . ( 6 ) هذا هو التدليس وهو ان يروي عن رجل لم يلقه وبينه وبينه واسطة فلا يذكر الواسطة ( المؤلف ) . ( 7 ) ج 1 صفحة 370 طبع مصر . ( 8 ) ج 4 صفحة 362 . ( 9 ) صفحة 286 ج ل