السيد محسن الأمين

8

أعيان الشيعة ( الملاحق )

على وفاة الامام العاملي اللبناني ، في أن أركان هذا العمل هي ربما أركان مساءلتنا عن اندراجنا في العصر ، وشرطه وظرفه ومتعلقه . وقد يكون هذا ما استقوى به معتزل حوزات العلم الكبيرة إلى دارته المتواضعة في حي الخراب في دمشق . فبدا غارقا في ماض سحيق لا تسبر صوره وكلماته فيما هو منكب على تخليص المادة التي منها جبلة الحاضر ، يحدوه جواب عصي لم يقل لنا صاحب الأعيان هل مكن أحدا من نفسه . السيد محسن الأمين في معركة الإصلاح من الدراسات الجامعية التي كتبت عن السيد محسن الأمين بعد وفاته ، كان كتاب الشاعر العربي محمد علي شمس الدين الذي تقدم به إلى الجامعة اللبنانية ، وقدم له المفكر الإسلامي الدكتور وجيه كوثراني . واننا نأخذ هنا بعض ما جاء في كلمة التقديم وبعض ما جاء في الكتاب : من تقديم الدكتور كوثراني يكتسب البحث العلمي في مجال التاريخ لأفكار المصلحين الإسلاميين في مرحلة ما اصطلح المؤرخون على تسميته بعصر النهضة أهمية متعددة الأبعاد والجوانب . فالتماثل مع واقعات التاريخ الأوروبي من حيث تماهي الوعي التاريخي مع الآخر ومن حيث نقل المراحل التاريخية وفق نسق واحد وأنماط واحدة ، شكل منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى الآن النموذج السائد لدى المثقب العربي والمرجعية الثابتة لدى الباحث في صياغة المصطلح واستيعاب المفهوم ومقاربة الأفكار والوقائع . بذلك تشكل الوعي العربي كجزء من واقعات عصر النهضة ، أي كجزء من عملية التماهي والتماثل المستمرين . وعلى صعيد خيارات البحث برزت نماذج معينة من عصر النهضة وفرضت نفسها كموضوعات للمعالجة وأنماط في منهج النظر للاشكاليات . فطغت على الأبحاث الآكاديمية وغير الأكاديمية خيارات في انتقاء الأعلام والأفكار تراوح بين سلفية تراثية ضائعة ومترددة وبين ليبرالية علمانية منغلقة نحو الخارج . وكان أبو القاسم المشترك لهذه الخيارات هو الانشداد إلى الخطاب السياسي المباشر وتحليله من موقع الباحث المتعاطف أو من موقع الباحث الناقد . فكانت السياسة هي القطب الجاذب لنماذج الدراسة ، وكان الأعلام ، موضوع الدراسة ، هم الذين تعاطوا العمل السياسي المباشر وكتبوا في مسألة السلطة والدولة ومشاريع البدائل إبان انهيار الدولة العثمانية ومرحلة البحث عن البديل ، أمثال جمال الدين الأفغاني ، وعبد الرحمن الكواكبي ورشيد رضا وشبلي الشميل وآخرين . . هذا في حين أن نماذج أخرى من الأعلام اختطت لنفسها طريقا آخر في مسألة الإصلاح هو طريق الممارسة على مستوى البحث والتعليم والتثقيف . . ولا زالت هذه النماذج مغمورة في خضم الدراسات العلمية أو مبعدة من ميدان البحث الأكاديمي في الجامعة الحديثة وذلك بالرغم من كثافة إنتاج بعضها وضخامة إنجازها الثقافي . ولعل السيد محسن الأمين الذي بدأ اسمه يحتل عناوين رسائل جامعية 8 منذ سنوات قليلة هو من الأعلام الكبار الذين اختطوا هذا الطريق في الإصلاح الأصعب ، الإصلاح الذي يتوخى إحداث الثورة الثقافية لا الانقلاب السياسي السريع ، الإصلاح الذي يتوخى تغيير العلاقات الاجتماعية بين الناس باتجاه الدفع نحو تمثل الحرية والعدل لا الاندراج في مشروع سلطة لا ينتج إلا إيصال نخب طموحة إلى الحكم . ولعل غياب اسم السيد محسن الأمين مرحلة من الزمن عن ميدان الاهتمام به كموضوع للدراسة الأكاديمية يفسره إلى حد كبير انتماء فكري وثقافي واجتماعي لدى السيد حال بينه وبين قرار السلطة الأكاديمية في مرحلة ذاك الزمن . ذلك أن هذا الانتماء الفكري كان انتماء عقائديا توحيديا . كان السيد يحرص على وحدة الجماعة الإسلامية في مواجهة التقسيم والتشرذم ويحرص بالتالي على ألا تتحول المذاهب الإسلامية التي هي في الأساس والضرورة اجتهادات فكرية وفقهية إلى صراعات سياسية . أليس هو القائل : لا زلنا نختلف على من هو خليفتنا حتى أضحى المندوب السامي الفرنسي خليفتنا ؟ وهذا الانتماء الاجتماعي كان انتماء لصف المستضعفين والتزاما بقضيتهم . أو لم يحول السيد حي الخراب في دمشق إلى حي للبناء والعمران والتثقيف والتعليم فحمل هذا الحي اسمه ؟ . وهذا الانتماء الثقافي كان انتماء للأصالة . فالسيد مصلح مجتهد يؤمن أن الاجتهاد هو الطريق الوحيد للانبعاث والتجدد والاستمرارية بدءا من الكلمة حتى الشهادة . أو ليس هو الرافض للوظيفة الكبرى التي قدمها له المندوب السامي عندما عرض عليه هذا الأخير أن يتولي منصب ( رئاسة العلماء ) التي أحدثها الفرنسيون ، فرأى السيد أن من يكون موظفا عند الله يأبى أن ينزل إلى رتبة موظف عند المفوض الفرنسي ؟ . . أو ليس هذا الانتماء الثقافي الأصيل هو ما دفعه أن يفضل النواصة على كهرباء الشركة الفرنسية في دمشق ، عندما كان الأمر يحتم خيارا بين نور الحرية الذي تؤديه النواصة ، على مستوى الموقف السياسي ، وبين ظلم شركة النور الفرنسية التي حاولت أن تبتز موقف الوطنيين الدمشقيين آنذاك ؟ كل هذا الانتماء المتنوع في أبعاده والعميق في جذوره جعل من السيد علما مبعدا عن مجال الدراسة الأكاديمية التي عينت مداها خيارات سياسية مرحلية في لبنان ومواقع في السلطة لا تتيح لغير امتداداتها الأيديولوجية والفكرية أن تنتج معرفة ما . ولعل الانتماء العاملي الذي يلخص حضاريا كل تلك الانتماءات التوحيدية على مستوى الإسلام والعروبة وتداخل قضاياهما هو الذي جعل من السيد علما نافيا لا للكيانية السياسية المستكبرة في لبنان فحسب ، بل للسياسة السلطوية في كل مكان من العالم العربي والإسلامي . أو ليس هو القائل للشاه رضا الكبير في إيران عندما انتقده هذا الأخير على مظهر ثوبه غير الأنيق : نحن ننظف قلوبنا وأنتم تنظفون أثوابكم . إن العاملية - هذه الصفة التي يحملها كل عالم كبير في جبل عامل - تعني امتدادا ثقافيا يتواصل مع المحيطين المتداخلين ، العربي والإسلامي ، تواصلا حميما وعضويا . من هنا كانت محاولة طمس هذه العاملية في تاريخ تشكل علاقات المركز الكياني اللبناني بأطرافه وملحقاته . ومن هنا