السيد محسن الأمين

106

أعيان الشيعة ( الملاحق )

درجات الناس متفاوتة في القرب منه تعالى بالطاعة الذي هو بمعنى القرب المعنوي تشبيها بقرب المكان واما قول لا يمكنني ان أدعوه الا بهذه الواسطة فلا يقوله ولا يعتقده أحد من المسلمين فضلا عن أن ينسب إلى كثير من الضلال ولم نسمع إلى الآن من أحد ولا عنه انه يقول ذلك بل يدعون الله مرة بلا واسطة ومرة بواسطة نعم قد يقولون إن هذا أقرب إلى الله مني فدعاؤه أرجى للإجابة من دعائي وهذا لا بأس به ولا مانع منه فقد ثبت ان دعاء الغير أرجى للإجابة ولو لم يكن أقرب وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى ( ع ) ( ادعني على لسان لم تعصني به ) كما كانت الصلاة على النبي ( ص ) التي أمرنا الله تعالى بها في الدعاء من أسباب إجابته كما صرح به ابن تيمية في كلامه السابق والله تعالى قادر على إجابة الدعاء بدون الصلاة على النبي ( ص ) فكيف أمر بها لتكون سببا في إجابة الدعاء ولم يكن ذلك منافيا لقربه من الداعي وكان التشفع اليه بذوي المكانة الذي جعل الله لهم الشفاعة منافيا لذلك ( وخلاصة القول ) ان الله تعالى امر عباده بدعائه ووعدهم الإجابة قصدا لتذللهم وتعبدهم له من دون حاجة منه إلى دعائهم مع قدرته على أن يعطيهم بدون دعاء مع رأفته بهم لكنه أراد ان يتعبدوا له بأنواع التعبد والتذلل ويتوسلوا اليه وجعل لهم من لطفه بهم ورحمته أسبابا لنيل فضله ونعمه مثل الصلاة على النبي ( ص ) في دعائهم والتشفع اليه بذوي المكانة عنده ومن ذلك إعطاؤه الشفاعة لذوي الشفاعة مع عدم حاجة منه إلى شيء من ذلك ولو فرض ان أحدا قال لا يمكنني ان أدعوه الا بهذه الواسطة لكان مخطئا وغالطا ولم يكن مشركا وكافرا كما يزعمه ابن تيمية واتباعه الوهابية ( اما استدلاله ) بآية وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي الآية على إمكان دعاء الله بلا واسطة فمن فضول الكلام فإنه لا ينكر أحد إمكان ذلك وانه تعالى قريب ممن دعاه ولكن لا ينافي ذلك كون بعضهم أقرب من بعض ولا كون دعاء الغير أرجى للإجابة ( واما ) استشهاده بآية إِيَّاكَ نَعْبُدُ وآية انما نَعْبُدُهُمْ لِيُقَرِّبُونا فلا محل له فلا أحد يعبد غير الله ولا يستعين بغيره وانما هو سؤال الدعاء والشفاعة الذي لا يخرج عن عبادته تعالى والاستغاثة به لأنه عن امره ( قوله ) ان كنت تظن انه اعلم بحالك وأقدر على عطاء سؤالك أو ارحم بك فهذا جهل وضلال وكفر . ليس في المسلمين من يعتقد هذا فذكره فضول وتطويل وبدون طائل ( قوله ) وان كنت تعلم أن الله اعلم وأقدر وارحم فلم عدلت عن سؤاله إلى سؤال غيره . لم يعدل أحد عن سؤاله تعالى إلى سؤال غيره وانما هو طلب الدعاء والشفاعة الذي لا يخرج عن سؤاله تعالى لأنه عن امره كما مر ( ونقول ) له النبي ( ص ) يعلم أن الله تعالى أعلم بحاله وأقدر على عطاء سؤاله وارحم به من عمر فلم عدل عن سؤاله إلى سؤال عمر وقال له حين ودعه إلى العمرة لا تنسنا من دعائك يا أخي حسبما رويت وإذا كان ( ص ) يعلم ذلك فلما ذا طلب منا ان نصلي عليه ونسأل الله تعالى له الوسيلة ولما ذا لم يطلبها هو من الله ولما ذا امر عمر ان يسال أويسا القرني ان يستغفر له ولما ذا قال أبو بكر لعمر استغفر لي ولما ذا لم يطلب أبو بكر المغفرة منه تعالى بغير واسطة عمر والله تعالى أعلم بحاله وأقدر على عطاء سؤاله وارحم به من عمر ولما ذا سال الناس النبي ( ص ) أن يستسقي لهم لما اجدبوا ولم يستسقوا بأنفسهم والله تعالى أعلم بحالهم وأقدر على عطاء سؤالهم وارحم بهم من النبي ( ص ) وقد روى ذلك كله ابن تيمية فيما مر قريبا واعترف به وهو هنا يقول فلم عدلت عن سؤاله إلى سؤال غيره وان كان يزعم أن المسلمين يسألون 106 غيره تعالى لأنه القادر المختار الفاعل لما يشاء فهذا افتراء على المسلمين لما عرفت من أن ذلك لا يخرج عن طلب الدعاء وسؤال الشفاعة ويكاد الإنسان يقضي عجبا من تمحلات هؤلاء وتهافت كلامهم ( قوله ) وان كنت تعلم أنه أقرب إلى الله منك فإنما معناه انه يثيبه أكثر مما يثيبك لا انك إذا دعوته يقضي الله حاجتك أعظم مما يقضيها إذا دعوت أنت الله . نعم ان دعاء الغير للعبد أرجى في الإجابة من دعائه نفسه كما مر فلهذا ينبغي له الجمع بيننه [ بينه ] يعلم أنها كلمة حق لم يرد بها الا الحق ( قوله ) فإنك إذا كنت مستحقا للعقاب ورد الدعاء فالنبي والصالح لا يعين على ما يكرهه الله والا فالله أولى بالرحمة والقبول مما يضحك الثكلى فإنك قد عرفت ان المطلوب من النبي أو الصالح الدعاء والشفاعة التي لا تخرج عن الدعاء وهو قد سلم ان طلب الدعاء من الغير مشروع فيقال له إذا كنت مستحقا للعقاب ورد الدعاء فالذي تسأله الدعاء لك لا يعين على ما يكرهه الله والا فاة [ فإنه ] أولى بالقبول والرحمة فلما ذا تسأل الغير ان يدعو لك أو لم يعلم ابن تيمية ان مستحق العقاب قد يرحمه الله تعالى بالدعاء من الغير الذي هو أرجى في الإجابة ومستحق رد الدعاء قد يجيب الله دعاء غيره فيه ويقال له أيضا إذا كان العبد مستحقا للعقاب ورد الدعاء فلما ذا أمر الله تعالى بالدعاء على وجه العموم والله تعالى لا يأمر بما يكرهه ولا يعين عليه ولم لم يرحم بدون دعاء وشفاعة ولم أمر في الدعاء بالصلاة على النبي ( ص ) وجعلها سببا لقبوله ولم جعل الشفاعة وأذن فيها وكون الله أولى بالرحمة والقبول لا ينافي التوسل إليه بدعاء الغير بل هذا من أتم أسباب رحمته ورأفته ( قوله ) وان قلت هذا إذا دعا الله أجاب دعاءه أعظم مما يجيبه إذا دعوته . قد عرفت ان هذا هو الحاصل من المسلمين الذي أمر به الشرع ودل عليه النقل لا غيره ( قوله ) فهذا مشروع في الحي دون الميت . قد مضى الكلام عليه مفصلا وانه لا فرق بين الحي والميت . ومما ذكر تعلم فساد تفصيله في رسالة زيارة القبوريين طلب ما لا يقدر عليه الا الله وما يقدر عليه غيره فإذا كان المطلوب هو الدعاء والشفاعة لم يكن المطلوب غير مقدور وكلما طلب فيه غير المقدور يجب حمله على طلب الدعاء والشفاعة حملا لفعل المسلم على الصحة فالتفصيل المذكور ساقط من أصله . ( وأما قوله ) ان مسألة المخلوق قد تكون جائزة وقد تكون منهيا عنها أراد بالنهي نهي الكراهة والتنزيه لا نهي المنع والتحريم فله وجه بمعنى انه لا ينبغي مسألة الناس والاستعانة بهم مع إمكان الاستغناء عنهم وسمع بعض أئمة أهل البيت ع من يقول اللهم لا تحوجني إلى خلقك فنهاه وقال ما معناه انه لا بد من احتياج الخلق بعضهم لبعض ولكن قل اللهم لا تحوجني إلى لئام خلقك وان أراد غير ذلك فهو مردود عليه ولكن ذلك كله خارج عما نحن فيه فان كلامنا في الاستغاثة بالمخلوق ليكون شافعا إلى الله ووسيلة اليه ولا شك ان ذلك راجح لا كراهة فيه إذا كان المستغاث أهلا لذلك فان ذلك لا يخرج عن عبادة الله ودعائه والاستغاثة به بل هو المستغاث حقيقة والله تعالى يحب دعاءه والتوسل اليه بكرام خلقه لأن ذلك من أنواع العبادة له والتذلل له والا فالله تعالى قادر على أن يعطينا بدون دعائنا وتوسلنا وتضرعنا ويعفو عنا بغير شفاعة شفيع فلما ذا أمرنا بالدعاء وقبل شفاعة