السيد محسن الأمين

101

أعيان الشيعة ( الملاحق )

الدعاء والنداء والاستعانة والالتجاء لمخلوق فقد أشرك في العبادة وصار من تفعل له هذه الأمور إلها لعابديه سواء كان ملكا أو نبيا أو وليا أو شجرا أو قبرا أو جنيا أو حيا أو ميتا وصار بهذه العبادة أو اي نوع منها عابدا لذلك المخلوق وان أقر بالله وعبده ولم يخرجه إقراره وعبادته عن الشرك وعن وجوب سفك دمه وسبي ذراريه ونهب أمواله كما لم يخرج المشركين ( وذكر ) الصنعاني في تطهير الاعتقاد سؤال استغاثة الناس بادم ع يوم القيامة بما يقرب مما تقدم عن ابن عبد الوهاب الا أنه قال فان قلت الاستغاثة قد ثبتت في الأحاديث فإنه قد صح ان العباد يستغيثون بادم إلخ وقال بدل ليست شركا ليست بمنكر وقال قلت هذا تلبيس فان الاستغاثة بالمخلوقين الأحياء فيما يقدرون عليه لا ينكرها أحد ( إلى أن قال ) وانما الكلام في استغاثة القبوريين وغيرهم بأوليائهم وطلبهم منهم أمورا لا يقدر عليها الا الله تعالى من عافية المريض وغيرها ( إلى أن قال ) نعم استغاثة العباد يوم القيامة وطلبهم من الأنبياء انما يدعون الله تعالى يفصل بين العباد بالحساب حتى يريحهم من هول الموقف وهذا لا شك في جوازه أعني طلب الدعاء لله تعالى من بعض عباده لبعض وأمرنا سبحانه ان ندعو للمؤمنين ونستغفر لهم يعني قوله تعالى : ( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ ) . ( قال ) وقد قالت أم سليم ( رض ) يا رسول الله خادمك انس ادع الله له وقد كان الصحابة ( رض ) يطلبون الدعاء منه ( ص ) وهو حي وهذا امر متفق على جوازه والكلام في طلب القبوريين من الأموات أو من الأحياء الذين لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ان يشفوا مرضاهم ويردوا غائبهم وينفسوا على حبلاهم ويسقوا زرعهم ويدروا ضروع مواشيهم ويحفظوها من العين ونحو ذلك من المطالب التي لا يقدر عليها الا الله تعالى هؤلاء الذين قال الله فيهم : ( وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ . إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ ) وصرح بذلك الوهابية في كتابهم إلى شيخ الركب المغربي المتقدم في الباب الثاني . ثم إن حاصل استدلال الوهابيين على عدم جواز دعاء غير الله تعالى بنحو الاستغاثة والاستعانة وطلب الحوائج على أحد الوجوه المبينة في صدر الجواب وانه كفر وشرك أكبر كدعاء الأصنام على ما يفهم من كلماتهم المار ذكرها وكما في الرسالة الثالثة من رسائل الهدية السنية « 1 » انه تعالى قال : ( وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً . لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ . وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ . إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ . وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ . وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ الآية . قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا . أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ . وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ الآية . إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ الآية . وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ الآية ) . 101 وقال الصنعاني في تنزيه الاعتقاد وقد سمى الله الدعاء عبادة بقوله ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ . إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي الآية ) وفي الهدية السنية « 2 » . عنه ( ص ) الدعاء مخ العبادة رواه الترمذي و في رواية الدعاء هو العبادة ثم قرأ ( ص ) وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي الآية رواه أحمد وأبو داود والترمذي انتهى . ومن هتف باسم نبي أو صالح عند الشدائد كقول يا رسول الله يا ابن عباس بدون ان يتبعه بشيء أو قال اشفع لي إلى الله في حاجتي أو استشفع بك إلى الله في حاجتي أو نحو ذلك أو قال اقض ديني أو اشف مريضي أو نحو ذلك فقد دعا ذلك النبي والصالح والدعاء عبادة بل مخها كما عرفت فيكون قد عبد غير الله وصار مشركا إذ لا يتم التوحيد الا بتوحيده تعالى في الإلهية باعتقاد ان لا خالق ولا رازق غيره وفي العبادة بعدم عبادة غيره ولو ببعض العبادات وعباد الأصنام انما أشركوا بعدم توحيد الله في العبادة كما مر مفصلا . ( والجواب ) ان الدعاء والاستغاثة بغير الله تعالى يكون على وجوه ثلاثة ( الأول ) ان يهتف باسمه مجردا مثل ان يقول يا محمد يا علي يا عبد القادر يا أولياء الله يا أهل البيت ونحو ذلك ( الثاني ) ان يقول يا فلان كن شفيعي إلى الله في قضاء حاجتي أو ادع الله ان يقضيها أو ما شابه ذلك ( الثالث ) ان يقول اقض ديني أو اشف مريضي أو انصرني على عدوي وغير ذلك ( وليس ) في شيء من هذه الوجوه الثلاثة مانع ولا محذور فضلا عما يوجب الإشراك والتكفير لأن المقصود منها طلب الشفاعة وسؤال الدعاء سواء صرح بذلك كما في الوجه الثاني أو لا كما في الوجهين الباقيين للعلم بحال المسلم الموحد المعتقد ان من عدا الله تعالى لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا فبسبب ذلك نعلم أنه لم يقصد سوى طلب الشفاعة والدعاء ولو فرض اننا جهلنا قصده لوجب حمله على ذلك سواء صدر من عارف أو عامي لوجوب حمل أفعال المسلمين وأقوالهم على الصحة مهما أمكن حتى يعلم الفساد وعدم جواز تكفير المقر بالشهادتين الا بما يوجب كفره على اليقين وعدم جواز التهجم على الدماء والأموال والأعراض بغير اليقين كما مر في المقدمات فيكون ذلك هو المحذوف المطلوب من المدعو في الوجه الأول ويكون اسناد الفعل إلى المدعو مجازا في الاسناد في الوجه الثالث من باب الاسناد إلى السبب لكونه بدعائه وشفاعته سببا في ذلك كما في بنى الأمير المدينة وشفى الطبيب المريض فان ذلك صحيح في لغة العرب كثير فيها وفي القرآن الكريم وهو المسمى عند علماء البيان بالمجاز العقلي وهو اسناد الفعل إلى غير ما هو له من سبب أو غيره والقرينة عليه هنا ظاهر حال المسلم فان كون المتكلم به مسلما يعتقد ويقر بان من عدا الله تعالى لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا الا باقدار الله تعالى يكفي قرينة على ذلك ولهذا ذكر علماء البيان ان مثل أنبت الربيع البقل إذا صدر من الدهري كان حقيقة وإذا صدر من المسلم كان مجازا عقليا كما تقدم تفصيله في المقدمات واي فارق بين أنبت الربيع البقل وبين ما نحن فيه فليكون هذا الاسناد كاسناد الرزق وما يجري مجراه إلى غير الله تعالى في قوله تعالى : ( فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ . وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ . وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) والإغناء لا يقدر عليه الا الله فكيف نسبه إلى الرسول

--> ( 1 ) صفحة 71 . ( 2 ) صفحة 86