السيد محسن الأمين
97
أعيان الشيعة ( الملاحق )
بطلبهم الشفاعة من النبي ( ص ) أهملوا ذلك والتجئوا إلى غير الله مقبلين على شفاعته متوكلين عليها افتراء عليهم وكيف يتصور عاقل ان طلب الشفاعة إلى الله في غفران الذنب ونيل الخير منه تعالى ممن جعل الله له الشفاعة هو أعراض عن الله والتجاء إلى غيره وتوكل على غيره وكيف لم يكن طلب الدعاء من الغير كذلك وطلب الشفاعة لا يخرج عن طلب الدعاء والكل من الله وإلى الله وفي الله ( قوله ) فان هذا بعينه فعل المشركين واعتقادهم قد عرفت بما كررناه مرارا أنه لا مساس لذلك بفعل المشركين ولا باعتقادهم فإنهم كذبوا الرسل وعبدوا الأصنام وعظموا من لا يستحق التعظيم من تمثال وشجر ونحوه ( قوله ) ولا نشات فتنة في الوجود الا بهذا الاعتقاد لا يجوز دخول لا النافية على الماضي الا مكررة أو مسبوقة بنفي واعتقاد ان النبي ( ص ) شافع مشفع وصاحب الوسيلة عند الله وانه يستغفر للمذنبين من أمته بعد وفاته كما أخبر عن نفسه « 1 » وانه مجاب الدعوة وان دعاءه لنا أرجى في الإجابة من دعائنا لأنفسنا هو عين الحق والصواب فجعله سببا لكل فتنة نشات في الوجود ضلال وخذلان نعوذ بالله منه نعم ان اعتقاد الوهابيين ان ذلك كفر وشرك واستحلالهم به الدماء والأموال كان سببا لكل فتنة في الوجود بغزوهم بلاد الإسلام واراقتهم الدماء ونهبهم الأموال وتفريق كلمة المسلمين وكسر شوكتهم وزيادتهم ضعفا إلى ضعفهم فانا لله وانا اليه راجعون ( قوله ) ولهذا حسم مادة الشفاعة عن كل أحد بغير إذن الإله لا يتوهم عاقل ولا جاهل ان الشفاعة تكون بغير إذن الله وقهرا عليه فالتعبير بقوله حسم مادة الشفاعة بغير إذنه لا مناسبة له ولا محل فحسم المادة يكون بنفي كل شفاعة والله تعالى بآية مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ قد أثبت الشفاعة باذنه ونفاها بغير إذنه فلم يحسم مادتها وما وجه الربط بين هذه العلة والمعلول فإذا كان الله تعالى قد نفى الشفاعة بغير إذنه أو حسم مادتها بغير إذنه كما يقول هذا الوهابي فهل يلزم ان يكون طالب الشفاعة من النبي ( ص ) الذي جعل الله له الشفاعة وأذن له فيها كافرا ومشركا . وهل طالب الشفاعة من النبي ( ص ) يقول له اشفع لي قهرا على الله رضي أم أبى أذن أم لم يأذن ( بالدبوس ) كدين الوهابية كلا فانظر رعاك الله إلى هذه التعليلات وإلى هذه النتائج والمقدمات التي استحلوا بها الدماء والأموال وأعجب ثم أعجب ( قوله ) ولهذا قال لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً قد عرفت ان المراد بها انه تعالى مالك أمرها فلا يشفع عنده أحد الا باذنه فلا تزيد عن الآية الأولى ( أما قوله تعالى ) وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ إلخ فالمراد بشفعائهم الأصنام والأحجار التي كانوا يزعمون أنها شركاء فيهم ولها نوع اختيار معه تعالى وتصرف في الكون وهي جماد لا الأنبياء والمرسلين الذين لا يعتقد مسلم فيهم شيئا من ذلك سوى ما جعله الله لهم من الشفاعة عنده والمنزلة لديه فإنهم حاضرون مع أممهم يشفعون لها ولم يتقطع ما بينهم وبينها ولا ضلت عنهم لا سيما نبينا محمد ( ص ) الذي هو وسيلة الخلق يوم القيامة دون الأنبياء ( قوله ) وطلبها من غير الله في هذه الدار زعم بعدم تعلقها بالاذن إلخ لا ندري ولا المنجم يدري لما ذا كان طلبها في هذه الدار زعما بعدم تعلقها بإذن الله ولما ذا كان تعلقها بإذن الله منافيا لطلبها وبأي وجه يدل قولنا يا رسول الله اشفع لي على إرادة اشفع لي رغما عن الله 97 وقهرا عليه وبدون إذنه وهل إذا طلبنا منه الشفاعة يمتنع ويستحيل ولا يمكن أن يستأذن ويشفع فيكون طلب الشفاعة منافيا لتعلقها بالاذن ونفي الولي والشفيع في الآيتين يراد به النفي المقيد الذي هو من دون الله وفي قباله وبغير أمره وإذنه لا مطلق الشفيع الثابت بالاستثناء في قوله تعالى إِلَّا بِإِذْنِهِ وبالضرورة من دين الإسلام ولا مطلق الولي الثابت بقوله تعالى : ( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الآية ) وغير ذلك ( قوله ) والعبرة في القرآن بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كلام لا يرتبط بالمقصود ولا يثمر غير التطويل بلا طائل سمعه ولم يعرف موضعه فسواء كانت الآيتان واردتين في مورد خاص أو لا لا تدلان على منع طلب الشفاعة ممن جعل الله له الشفاعة كما عرفت . أما قول ابن عبد الوهاب ان الشفاعة شفاعتان منفية ومثبتة وجعله المنفية ما تطلب من غير الله واستشهاده على ذلك بآية لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ والمثبتة ما تطلب من الله فهو تخرص على الغيب وتفسير للقرآن بالرأي والهوى وبغير الوجه الذي يجب أن يفسر به فان قوله تعالى وَلا شَفاعَةٌ عام أو مطلق يجب تخصيصه أو تقييده بالآيات الأخر مثل ( وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى . مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) لوجوب حمل العام على الخاص والمطلق على المقيد كما بيناه في المقدمات فيحمل قوله وَلا شَفاعَةٌ على الشفاعة لغير من يرتضي كالمنكر له تعالى أو المشرك به أو من يشفع بغير إذنه أو نحو ذلك أما حمل قوله تعالى وَلا شَفاعَةٌ على نفي الشفاعة المطلوبة من غير الله فلا دليل عليه ولا يساعده العرف مع أنه تعالى أمر بالإنفاق من قبل ان يأتي يوم لا شفاعة فيه والمراد به يوم القيامة فهو تعالى نفى الشفاعة في يوم القيامة ولم ينف الشفاعة المطلوبة في الدنيا ولا يمكن ان يراد بهذا اللفظ نفي الشفاعة في الدنيا . وقد ظهر مما مر ويأتي في فصل الدعاء فساد قول ابن عبد الوهاب في تعليمه الاحتجاج : إن الله أعطاه الشفاعة ونهاك عن هذا أي ان تطلبها منه وقال فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً لما ستعرف من أن الدعاء المنهي عنه في الآية لا يشمل طلب الشفاعة كما لا يشمل طلب الدعاء التي هي نوع منه ولا يمكن ان يكون شاملا لذلك إذ يكون محصله ان الله تعالى أباح لك ان تطلب من كل أحد ما أعطاه الله إياه الا الشفاعة فحجر عليك طلبها من النبي ( ص ) وان أعطيها تحكما من غير فارق الا توهم كون طلبها عبادة وهو توهم سخيف كما عرفت وهذا لا يليق ان يصدر من سفيه فضلا عن رب العزة جل وعلا . وظهر أيضا ان قوله في تعليمه الاحتجاج : الشفاعة أعطيها غير النبي ( ص ) فصح ان الملائكة والأولياء يشفعون فان قلت الله أعطاهم الشفاعة واطلبها منهم رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكرها الله تعالى في كتابه - كلام فارغ لا يرجع إلى محصل بل هو افتراء على الله تعالى وعلى كتابه فمتى ذكر الله تعالى في كتابه ان طلب الشفاعة من الصالحين عبادة وفي اي سورة أم في اي آية ورد هذا أم اي مفسر ذكر ذلك غاية ما عند ابن عبد الوهاب ان اللات اسم رجل صالح وان المشركين كان لهم صنم على صورته وانهم قالوا ما نعبد الأصنام الا ليقربونا إلى الله وان الله قال عنهم وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا وقد اتضح لك ان ذلك أبعد مما يرومه ابن عبد الوهاب من السماء عن الأرض لصراحة
--> ( 1 ) بقوله ووفاتي خير لكم فما رأيت من خير فحمدت الله عليه وما رأيت من شر استغفرت لكم كما مر في المقدمات .