أحمد بن أحمد بن محمد المطاع
46
تاريخ اليمن الإسلامي من سنة 204 ه إلى سنة 1006 ه
على أن من أهم أسلحة مؤرخنا في تتبع تلك الأوهام وتصحيحها التّنبيه على حيدها عن الواقع وتتبع المصادر ونقل أقوالها المختلفة في الحادثة الواحدة ، ففي تعليل أسباب خروج الأيوبيين إلى اليمن وإرجاعه عند بعض المؤرخين إلى رسالة ابن النساخ إلى خليفة بغداد يقول شهيدنا المطاع « وعندي انه من البعيد وعند كل من له أدنى معرفة بنزعات النفوس واتجاهات من يحكم ، ولا سيما تلك القرون وصدور مثل هذه التهديدات القاسية من رجل يطلب النّصرة ويرجو النّصفة ، مع ما فيها من المدح والإشادة والتنويه والتعظيم للإمام المنصور وعماله » . « وإنما نستبعد صدورها على ذلك الأسلوب من رجل لا يملك إلّا ثورة نفسه ، وقوة روحه وما يضطرم بين جوانحه من براكين الحقد والضغينة ، على من جرّعه كأس التّنكيل المريرة ، وهل من المعقول أن يحوّل جمر غضبه الماحق نحو خليفة بغداد الضعيف العاجز ، هذا ما يلوح للناقد من جهة الأسلوب ، وأما من الوجهة التاريخية فإنه لم ينقل أن الحكومة العباسية نهضت إلى اليمن في ذلك التاريخ ، وأنّى لها ذلك والخليفة لا يملك أمر نفسه فضلا عن قصره ومدينته وقد لا يكتفي بمجرد التّنبيه اللفظي على شطط الخبر الموهوم ، وإنما يقتله بحثا من خلال تتبع المصادر التي أوردت ذلك الخبر ، ويبحث عنه في مظانه الأصيلة ، غير معتمد على قول واحد ، انظر إليه مثلا في تتبع خبر وفاة منصور ابن حسن حيث تجده ينقل عن أنباء الزمن وسيرة الناصر ، وقرة العيون ، واللآلي المضيئة ، ويقول في نصّ قرة العيون حول هذه المسألة : « وهو يخالف ما سبق في ترجمة الناصر في وقعة نغاش التي أباد بها القرامطة من ناحية مسور » فهو لم يكتف بتلك النصوص المستفيضة حول تلك المسألة ، وإنما استعان فيها بقرائن تاريخية أخرى يعزّز بها قوله . ويبلغ التحليل ذروته عند شهيدنا المطاع عندما يستعين بالجانب النفسي