أحمد بن أحمد بن محمد المطاع
24
تاريخ اليمن الإسلامي من سنة 204 ه إلى سنة 1006 ه
« حمورابي » « 1 » أول شريعة عرفها البشر ونظام سنة الإنسان ، واليمن تنظر إليه بعين الإعجاب لأنه فرع من دوحتها العظيمة ، وغصن من شجرتها الباسقة ، وذلك قبل أن ينشر بوذا « 2 » تعاليمه على ضفاف الكانج بقرون . نقل المؤرخ الشهير استرابون اليوناني أن الإسكندر الكبير كان قد اختط خطة قبل موته ، قصاراها أنه يريد نقل عاصمة ملكه من الهند إلى اليمن ، وذلك يدل على ما كان لهذه القطعة المباركة من مكانة في نفس ذلك الفاتح العظيم ، وقديما اطلق عليها الرومان والفرس واليونان اليمن السعيدة ، والجزيرة الخضراء ، ووصفها مؤرخوهم بما يعجز القلم عن وصفه . عرفت اليمن وعرفت حضارتها الرائعة وعمرانها الزاخر ، وعلومها المنتجة ، وفنونها الجميلة ، قبل أن تعرف أي مدنية على وجه الكرة الأرضية ، ثم كانت مدنيات موغلة في القدم كالمدنية الكلدانية والآشورية والكنعانية والفرعونية ، والفينيقية ، وفي بعض بقاع المعمورة كالهند ، والصين ، وما تلك إلا قبسات نور انبثق من هذه البلاد كما سيمر بك قريبا : مشت بمنارهم في الأرض روما * ومن أنوارهم قبست أثينا قال الكاتب العلامة الأمير شكيب أرسلان في تعليقاته على ابن خلدون ما لفظه : ( كانت للعرب مدنية لا سيما في اليمن في غاية الارتقاء والازدهار في نحو الألف السنة قبل المسيح ) ، ويذهب الأستاذ المستشرق « موريتز » الألماني إلى أن أصل إيجاد الكتابة بالحروف بعد الكتابة الهيروغلوفية كان في اليمن ، وهو يعتقد أن اليمانيين هم الذين اخترعوا الكتابة وليس الفينيقيون هم الذين اخترعوها كما هو الرأي المشهور ، وقد أفضى موريتز إليّ بأدلة على هذا الرأي وقال إن الفينقيين إنما بنوا كتاباتهم على الكتابة العربية اليمنية ، ثم
--> ( 1 ) من الأسرة الكنعانية التي ملكت بابل بعد الآشوريين حوالي سنة 2300 ق . م . ( 2 ) ظهر بوذا في القرن الحادي عشر قبل الميلاد ، وقيل إنه كان عايشا في القرن السادس أو السابع قبل المسيح .