أحمد بن أحمد بن محمد المطاع
16
تاريخ اليمن الإسلامي من سنة 204 ه إلى سنة 1006 ه
العامة والأسس الأولية للمقايسة والتمييز وذلك بالإمكان ، والمقايسة والاستحالة ، فمقارنة الماضي بالحاضر تعطينا قانون التشابه ، وقياس الأخبار على أصول العادة ، وطبيعة العمران يعلمنا قانون الإمكان والاستحالة . ومن المؤسف ان هذا الفيلسوف الاجتماعي العظيم لم ينتفع المسلمون بمبتكراته في علم الاجتماع وفلسفة التاريخ لتأخر زمانه عن زمن النهضة العربية الإسلامية ، وظلت آثاره آنفا لم يمط عنها اللثام إلى أن شرع الغرب في النهوض . أما من تقدمه من مؤرخي المسلمين فإنه بالرغم عن مقدرتهم العالية ، وملكتهم الكتابية ، ونزاهة مقاصدهم ، واتساع الفكر الإسلامي العربي وحريته في أيامهم ، نجدهم فيما نقلوه عن غيرهم قد تجنبوا النقد أو تهيبوه تقديسا للرواية أو لعلة أخرى ، وقليل منهم من أتى بشيء جديد ، أما ما يتعلق بأزمنتهم فلم يبعدوا عن الأسلوب المذكور أولا . على أن بعضهم قد تأثر بالنزعات الدينية والعصبية القومية والمذاهب السياسية إلى أمد بعيد فظهرت مؤلفاتهم في ثوب شفاف ينم عما تحته من سلطان الهوى وحكم العاطفة . كما أن بعضهم لم يتورع عن خدمة الأغراض السياسية والمقاصد الشخصية ، وجعل البحث التاريخي شبكة لصيده ، ومطية لنزوات روحه ، ولا سيما أيام كانت السياسة تركض وراء الألسنة القوية ، والأقلام السليطة لتستفيد من نصرتها ، وتعتز بشهرتها ، ليتم لها احتكار السلطة في اشخاص القائمين بها ، وصرف البلاد والعباد عن التفكير المثمر والعمل النافع ، إلى ما يعود بالمجد الأجوف والخير المزعوم ، وقد سجل التاريخ من أعمال الفريقين ما يندى منه الجبين . وصفوة القول أن هذا الفن لم يوله أربابه الأكفاء حقه من العناية كسائر الفنون : « ولم يمحصوا أخبارهم الموروثة تمحيصا دقيقا ، ومع هذا فقد كان