أحمد بن أحمد بن محمد المطاع
100
تاريخ اليمن الإسلامي من سنة 204 ه إلى سنة 1006 ه
قد وهبت لكم أموركم فاتقوا الله في سركم وعلانيتكم ) . وكأنه أراد أن يعلّمهم درسا بليغا في التسامح والعفو والإغضاء فأتى بأعجب ما عرف في تاريخ الفاتحين ، وأجل ما سطر في باب العدل والتسامح والعفو عند المقدرة ، وكظم الغيظ ، وعدم اللّجاج في الانتقام ، وقديما قيل « من انتقم فقد شفى غيظ نفسه وأخذ أقصى حقه ، ومن أخذ حقه وشفى غيظه لم يجب شكره ، ولم يذكر في العالمين فضله » ، ولم نر أهل النّهي والمنسوبين إلى الحجى والتّقى مدحوا الحكام بشدّة العقاب ، وقد ذكروهم بحسن الصّفح وبكثرة الاغتفار وشدة التغافل : أخذ التاريخ مما تركوا * عملا أحسن أو قولا أصابا ومن الإحسان أو من هذه * نجح الراغب في الذكر وخابا ثم فيه أكبر برهان على حبّ الإمام للوئام والسلام مع قوة نفس ، وشدّة بأس وشجاعة ، وكرم أخلاق نادرة المثال تحلّت بها شخصيته الفذة حيث عامل أعداءه ، بهذه المعاملة ، في أشد الأوقات حرجا وضيقا ، ولو كانوا مع غيره لما كان حظهم منه غير السّيف ، وقد أشار بذلك محمد بن الدعام ، وأبو العتاهية كما نقله صاحب السيرة ، فلم يقبل الإمام ذلك منهم : يفر جبان القوم عن أم رأسه * ويحمي شجاع القوم من لا يناسبه ويرزق معروف الجواد عدوه * ويحرم معروف البخيل أقاربه وهكذا كان السلف الصالح رضوان الله عليهم ، وقّافون عند الشّبهات ، ولولا صرامته في الحق ورغبته الشديدة في اتباع أثر السّلف لكان له مندوحة في معاقبتهم والتّشديد عليهم . ثم إن أهل شبام تجمعوا ، وهمّوا بالإمام قبل أن يقوم من مقامه ، ولما عرف ذلك منهم ، رجع عليهم ومعه أبو العتاهية ، فكانت معركة قتل فيها جماعة منهم ، وقتل الإمام أكثرهم ، وانقطع من الجمال ، التي كان عليها