الشيخ عباس القمي

577

الكنى و الألقاب ( جامعة المدرسين )

العقول ، وعن وصفها الألسن ، فإن نظرت إلى علمه فكتابه كشف الغطاء الّذي ألّفه في سفره ينبئك عن أمر عظيم ، ومقام عليّ في مراتب العلوم الدينيّة ، اصولًا وفروعاً . وكان الشيخ الأعظم الأنصاري رحمه الله يقول ما معناه : من أتقن القواعد الاصوليّة الّتي أودعها الشيخ في كشفه فهو عندي مجتهد ، وإن تأمّلت في مواظبته للسنن والآداب وعباداته ومناجاته في الأسحار ومخاطبته نفسه بقوله : كنت جعيفراً ثمّ صرت جعفراً ثمّ الشيخ جعفر ثمّ شيخ العراق ثمّ رئيس الإسلام ، وبكائه وتذلّله لرأيته من الّذين وصفهم أمير المؤمنين عليه السلام من أصحابه للأحنف بن قيس ، وإن تفكّرت في بذله الجاه العظيم الّذي أعطاه الله تعالى من بين أقرانه والمهابة والمقبوليّة عند الناس على طبقاتهم من الملوك والتجّار والسوقة للفقراء والضعفاء من المؤمنين ، وحضّه على طعام المسكين لرأيت شيئاً عجيباً . وقد نقل عنه في ذلك مقامات وحكايات لو جمعت لكانت رسالة طريفة نافعة . ومن طريف ما سمعناه ونتبرّك به في هذه الأوراق : ما حدّثني به الثقة العدل الصفي السيّد مرتضى النجفي ، وكان ممّن أدركه في أوائل عمره قال : أبطأ الشيخ في بعض الأيّام عن صلاة الظهر وكان الناس مجتمعين في المسجد ينتظرونه ، فلمّا استيأسوا منه قاموا إلى صلاتهم فرادى وإذا بالشيخ قد دخل في المسجد فرآهم يصلّون فرادى فجعل يوبّخهم وينكر عليهم ذلك ويقول : أما فيكم من تثقون به وتصلّون خلفه ، ووقع نظره من بينهم إلى رجل تاجر صالح معروف عنده بالوثاقة والديانة يصلّي في جنب سارية من سواري المسجد ، فقام الشيخ خلفه واقتدى به ، ولمّا رأوا الناس ذلك اصطفّوا خلفه وانعقدت الصفوف وراءه ، فلمّا أحس التاجر بذلك اضطرب واستحيا ولا يقدر على قطع الصلاة ولا يتمكّن من إتمامها كيف وقد قامت صفوف خلفه تغتبط منها الفحول من العلماء فضلًا عن العوام ، ولم يكن له عهد بالإمامة سيّما التقدّم على مثل هؤلاء المأمومين ، ولمّا لم يكن له بدّ من الإتمام أتمّها والعرق يسيل من جوانبه حياءً ، ولمّا سلّم قام فأخذ الشيخ بعضده وأجلسه ، قال : يا شيخ قتلتني بهذا الاقتداء ما لي ولمقام الإمامة ، فقال الشيخ : لا بدّ لك من أن تصلّي بنا العصر ، فجعل يتضرّع ويقول : تريد تقتلني لا قوّة لي على ذلك وأمثال ذلك من الكلام ، فقال الشيخ : إمّا أن تصلّي أو تعطيني مائتي شامي أو أزيد - والترديد منّي - قال : بل أعطيك ولا اصلّي ، فقال الشيخ : لا بدّ من إحضارها قبل الصلاة ، فبعث من